صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 10 ساعة و 1 دقيقة 0 16 0
حين سقط هو… ؛ نهضتُ أنا .
حين سقط هو… ؛ نهضتُ أنا . إستمع للمحتوى

 

 

الكاتبة - مريم سليمان الجهني .


 

الشخص الذي أسقطني من فوق الجبل لم يكن غريبًا عني، بل كان أقرب من أن أراه، كان يسكنني كيقينٍ لا يُشك فيه. يعرف خططي قبل أن أرتبها، ويحفظ أحلامي كما لو كانت وعوده، ويحفظ تاريخي وتفاصيلي وحتى ضعفي، ليختار اللحظة التي لا أحتمل فيها السقوط.

 

هو لم يتعمق بي يومًا كما كنت أظن، بل كان يرى فيّ ما يصلح له فقط. كنت بالنسبة له وسيلة يشبع بها غروره، ويدًا يوزع عليها المهام، وكتفًا يرتب فوقه أحلامه وطموحاته. لم أكن في نظره إنسانة متعبة، بل على العكس، كان يراني امرأة حديدية لا تنكسر، أخوض المعارك بسيوف لا تسقط، وأعبر البحار بمجاديف لا تنكسر، وأعود في كل مرة بالقوة ذاتها. استخدمني في كل اتجاه، بنفس اليدين ونفس القوة، حتى ظن أنني خُلقت لأتحمل كل شيء، وأن التعب لا يعرف طريقه إليّ. ولم يدرك أن أكثر الأشخاص صلابة قد يكونون أكثرهم حاجةً إلى من يربت على أكتافهم.

 

هو وحده كان يملك غيمة جفوني، يسقط دموعي وقتما شاء، ويحركني بين الاقتراب والابتعاد كما يشاء. كان يقرر متى أكون قريبة ومتى أكون بعيدة، لكنه رغم كل ذلك لم يحاول يومًا أن يفهمني حقًا. لم يسأل نفسه ماذا أحتاج، ولم يحاول أن يرى ما خلف هذا الثبات الطويل. لم يشعر أنني، رغم كل ما أظهره من قوة، كنت أبحث عن شيء بسيط جدًا؛ أمان أمي حين كان الخوف يطرق قلبي، وقوة أبي حين كانت الدنيا تثقل كتفي. لم أكن أريد معجزات ولا وعودًا عظيمة، كنت أريد شخصًا يشعر بي قبل أن أتكلم، ويفهم صمتي قبل أن أشرح، ويرى تعبي قبل أن أنهار.

 

ولأنه كان يعرفني أكثر من غيره، كانت طعنته أشد قسوة. لم يطعن ظهري صدفة، بل درس معالمه جيدًا، وأتقن الغدر حتى صار فعلًا بلا ارتباك، وغرس السكين وكأنه يضع نقطة في نهاية سطر طال انتظاره. كان يكذب، لكن بصوت لا يرتجف، وينظر في عيني بثباتٍ مخيف، كأن الحقيقة هي ما يقوله، وكأن الخيانة مجرد تفصيل صغير يستحق الاعتذار فقط.

 

أما أنا فلم يكن يؤلمني السقوط بقدر ما كان يؤلمني أن اليد التي دفعتني كانت اليد نفسها التي وثقت بها يومًا. لم أحزن لأنني سقطت، بل لأن من أسقطني كان أكثر الناس معرفةً بمواضع ضعفي، وأكثرهم اطلاعًا على تعبي الذي أخفيه خلف صلابتي. كنت أظن أنه يرى قوتي فيعجب بها، فإذا به يصدقها، ويظن أنني لا أتعب ولا أنكسر ولا أحتاج أحدًا. ولذلك حين خذلني، لم يخسرني فقط، بل أسقط آخر يقينٍ كان يجعلني أؤمن أن القرب يعني الأمان، وأن من يعرفك جيدًا لن يكون يومًا سببًا في كسرك.

 

رحل وهو يظن أنه أطفأ امرأة، لم يدرك أنه لم يكن يطفئني بل يكشفني لي أمام نفسي. كان يعتقد أن الانكسار شكلٌ واحد، وأن السقوط نهاية، بينما لم يكن يرى أن بعض السقوطات تُعيد تشكيل الإنسان لا كسره.

 

كان رجلاً يعيش داخل نفسه أكثر مما يعيش داخل الآخرين، يأخذ من العلاقات ما يضمن له راحته، ويترك ما لا يخدم صورته عن نفسه. لم يكن شريرًا بقدر ما كان مكتفيًا بذاته حدّ العمى، يرى الأشياء من زاويته فقط، حتى الحب كان يفسره بما يناسبه هو لا بما يشعر به الطرف الآخر.

 

أما أنا، فلم أعد أبحث عن فهمه، ولا عن تبرير حضوره في حياتي. بعض الناس لا يُغادروننا دفعة واحدة، بل نغادر نحن نسختنا التي كانت تقبلهم. وهذه كانت خسارته الحقيقية… لا امرأة انهارت، بل امرأة توقفت عن أن تكون كما يريد.

 

هو لم يربحني حين امتلكني، وأنا لم أخسره حين رحل… لكن ما بين الامتلاك والرحيل، كنت أنا أستعيد نفسي بصمت .

 

 

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق