صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 18 ساعة و 2 دقيقة 0 17 0
العفو عند المقدرة.
العفو عند المقدرة. إستمع للمحتوى

 

الكاتبة - مريم سليمان الجهني .


 

نسمع كثيرًا، حتى يبهت السمع من فرط التكرار،

أن فلانًا قلبه أسود…

لأنه لم يمنح الصفح، ولم يوزّع العفو كما توزّع الهبات.

 

وتُطلق الأحكام من خارج الدائرة،

من أناس لم تطأ أقدامهم أرض الوجع،

ولم تهتز تحتهم تربة الخسارة،

فيتحدثون بثباتٍ كأنهم يقفون على صخرٍ لا يتشقق،

بينما غيرهم يقف على أرضٍ تدور،

ولا تتوقف عن الدوران.

 

نحن بشر…

نمنح أنفسنا حق الحكم،

وننسى أن من في الداخل يرى ما لا يُرى،

ويحمل ما لا يُحتمل،

ويصمت لأن الكلام لا يسع الألم،

ولأن بعض الصمت ليس ضعفًا،

بل محاولة أخيرة لئلا يفيض الوجع قسوة.

 

فكيف نُطالب بالصفح،

إذا كان الإحتراق قلبًا لا حديدًا؟

ومشاعر لا ممتلكات؟

وكيف نطالب بالعفو،

ونتجاهل أن بعض الكسور لا تُرى،

لكنها تُقيم في الداخل طويلًا؟

 

لماذا نوزّع الأحكام،

كأن العفو صدقة تُصرف للجميع المحتاجين اقصد المتخاذلين 

دون نظرٍ لحجم الخسارة،

أو عمق ما فُقد،

أو ما تغيّر إلى الأبد؟

وكأننا نكتب قصيدة تُطرب مسامع الأصماء لي ؛ ليمنحو قصيد بلا معنى .

 

تختلف درجات الصفح،

ويُمنح العفو حسب من أساء ومقدار ما أساء.

فأحيانًا كثير الإساءة لا يشكل فارقًا في حياتنا،

ولا تتمكن إساءته من أخذ حيز من مساحة القلب.

 

وأحيانًا نوزع العفو والصفح رغم حد الإستغفال،

مثل من طلب تنظيف سيارتك ولم يفعل كما توقعت،

فنضع له العذر، أو نعطيه النقود صدقة،

ونعفو عن العقاب،

ليس لأننا مغفلون،

بل لأن النفس لم تُستفز بما يكفي.

 

وأحيانًا نواجه منافسة على مرتبة عمل،

وغريب عنّا، وربما يخطط للنيل من المرتبة،

ويجهل حاجتنا لها،

ويرى حاجته فقط.

بعضنا يعفو، لأنه يدرك أن الحاجة مشتركة،

ويرفض أن يجعل خصمه لقمة عيش.

 

أحيانًا نصفح عمّن أساء فهمنا،

لأننا نعلم ضيق أفقه،

ونختار السلامة من اصطدام لا يُنتج سوى الخسارة.

 

ومثال آخر: بائع حاول غشنا لرفع دخله،

فبعضنا يعاقبه، وبعضنا يغض الطرف لحاجته،

مع علمنا أن الغش غير مبرر،

كما قال النبي ﷺ: «من غشّنا فليس منا».

 

وأحيانًا نكتشف أن الإساءة كانت مقصودة،

سُقيت بالتعمد، وقُصّت على الجرح،

لا سقوط سهواً، وإنما صعودًا عمدًا.

 

خذ مثالًا من الخيال:

لو جاءك غريب، وأحرق سيارتك أمام عينيك،

ما مقدار الصفح الذي ستمنحه؟

ثم بدّل الغريب بقريب، وفعل الفعل ذاته،

هل تتساوى درجات العفو؟

هي سيارة… حديد لا ينبض،

ولا يشعر، ولا يسكن القلب،

ومع ذلك لا نسامح،

لأن الفعل كان عمدًا، لا خطأ ولا سهوًا.

 

أما لو كان الإحتراق قلبًا ينبض ومشاعرًا تشعر،

حينها نطلق الأحكام على قدر محدود،

فلا يجوز التعميم وكأن العفو أوراق تُوزع للجميع.

 

أحيانًا يكون الحدث أكبر من قدرة الصفح،

ولا يجد ثغرًا في باب التسامح.

وأحيانًا نحاول زرع بذرة السماح،

لكن لا نجد لمن أساء قطرة ماء لتنمو بها،

فنكتشف أن الإساءة كانت مقصودة،

سُقيت بالتعمد، وقُصّت على الجرح،

لا سقوط سهواً، وإنما صعودًا عمدًا.

 

كثيرون يريدون ألا يراهم من أحبّهم،

ويضعهم في دائرة الخذلان،

لكن القلب يرفض التجاوز،

لأن بذور الخديعة زرعت فيه بعناية،

وجذورها ثابتة، سقّاها الإهمال، ورواها الإعتماد.

 

لذلك…

لا نطلق الأحكام على قدرة التسامح،

ولا نقول: لو كنت مكانه لعفوت،

فالله جلّ وعلا قال:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾

ومن الظلم الجائر أن يُطالب الإنسان بما يفوق طاقته،

أو يُدفع قسرًا إلى سعة صفح لم تبلغها نفسه بعد.

 

ومن السهل أن تتحدث عن الصفح،

وأنت خارج الألم،

ومن الأسهل أن تطلب من إنسان أن يسامح على ما حلّ به.

 

قيل في الأثر:

حين قُتل كليب، قال ابن العباد: الدية عند الكرام الإعتذار.

وحين قُتل ابنه جبير، قال: لأقتلن بعدد الحصى والنجوم والرمال.

فالعفو ليس مبدأ ثابتًا،

بل شعور تحكمه الخسارة، وعمق الجرح، وسعة القلب.

 

الكل حكيم…

ما دامت القصة ليست قصته،

وما دام خارج الدائرة التي هزّت كيانه وجعلت نبضه لا يتوقف عن الإهتزاز.

نحن جميعًا نتكلم،

لكننا لا نتألم بنفس الطريقة،

ولا نضع قلوبنا في المكان ذاته،

ولا نحمل الوجع نفسه.

 

تأمل قصة يوسف عليه السلام، حين صافح أخوته،

لكنه لم يسكنهم معه،

فالعفو لا يعني السماح بالإقتراب،

بل أحيانًا يكون الحكمة في ضبط المسافة بين القلب والإساءة.

 

وتأمل قصة وحشي بن حرب، قاتل حمزة عم النبي ﷺ،

حين جاء طالبًا الأمان،

فقبل النبي ﷺ إسلامه وعفوه،

لكنه طلب ألا يراه أمامه،

لأن القلب وإن سامح، قد لا يحتمل المواجهة.

 

 

الخلاصة :

 

القصاص حق،

والعفو فضيلة لمن استطاع،

وليس قسرًا يُجبَر به قلبٌ محطم.

 

فالصفح يُمنح عند المقدرة،

والعفو اختيار القلب،

وكل نفس تُجازى بما وسعها،

وكل قلب يعرف حدود سعة الصفح .

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق