شهدت مكة المكرمة خلال العقود الأخيرة نهضة عمرانية غير مسبوقة، ارتبطت بمشروعات توسعة المسجد الحرام وتطوير المنطقة المركزية لخدمة ملايين الحجاج والمعتمرين. وقد كان لهذه المشاريع أثر كبير في تسهيل أداء الشعائر ورفع الطاقة الإستيعابية للحرم الشريف، وهو هدف عظيم تتشرف به المملكة العربية السعودية في خدمة ضيوف الرحمن.
غير أن هذا التحول العمراني الكبير رافقه تغير في المشهد المكاني لمكة القديمة، حيث اختفت بعض الأحياء التاريخية القريبة من المسجد الحرام، مثل الشامية، الشبيكة، الغزة، أجياد، جرول والمسفلة والتي تحولت الى جنوب مكة المكرمة بمخططات ولي العهد كمسميات ، وهو امر لفت نظر الكثير لاسيما مؤرخي مكة ومثقفيها متسائلين هل إطلاق هذه المسميات بسبب أن موروثنا التاريخي المكي عاجز لوضع مسميات لإحياء مخطط ولي العهد؟ علماً بان تراثنا التاريخي المكي يزخر بمسميات اخري بدلا منها ومن ذلك
حي البيعه( وهذا المسمي باسم المخطط)
حي الفتح ( فتح مكة)
حي السلام
وهكذا…
ولم تكن هذه المسميات مجرد أسماء لأماكن، بل كانت صفحات من الذاكرة المكية، ارتبطت بحياة الناس وتاريخ المدينة وحكايات الحجاج عبر مئات السنين.
فحين كان أهل مكة أو زوارها يقولون: الشامية أو الشبيكة أو أجياد، فإنهم لا يشيرون إلى موقع جغرافي فحسب، بل إلى تاريخ اجتماعي وثقافي عريق تشَكل عبر الأجيال. وكانت هذه الأسماء تتردد في كتب التاريخ والرحلات، وفي ذاكرة المكيين الذين عاشوا في تلك الأحياء وشهدوا تفاصيلها اليومية.
ومع اختفاء كثير من تلك الأحياء نتيجة التطوير العمراني، يبرز سؤال مهم: كيف نحافظ على الذاكرة المكانية لمكة المكرمة؟ وكيف تبقى هذه المسميات حاضرة في وجدان المدينة رغم تغير ملامح المكان؟
ومن المقترحات التي يمكن أن تُسهم في حفظ هذا الإرث، إعادة إحياء أسماء الأحياء التاريخية بإطلاقها على ساحات المسجد الحرام والمناطق المحيطة به. فبدلاً من أن تختفي هذه الأسماء من الذاكرة، يمكن أن تعود لتكون جزءاً من المشهد اليومي للحرم الشريف.
فمن الجميل أن يعرف الزائر أنه يقف في ساحة الشامية، أو يتجه إلى ساحة الشبيكة، أو يلتقي في ساحة الغزة، أو يسلك طريقه عبر ساحة أجياد. عندها لا تكون هذه المسميات مجرد لوحات إرشادية، بل جسور تربط الحاضر بالماضي، وتحفظ تاريخ المكان في قلبه الحقيقي.
الكاتب أ- ماجد بن ضيف الله العكفي
.
كما أن مثل هذه الخطوة تسهم في تعريف ملايين الحجاج والمعتمرين بتاريخ مكة المكرمة وأحيائها القديمة، وتضيف بُعداً ثقافياً للمكان، بحيث يُدرك الزائر أن هذه الساحات كانت يوماً أحياءً نابضة بالحياة عاش فيها أهل مكة واستقبلت ضيوف الرحمن عبر القرون.
المدن التاريخية الكبرى حول العالم تحرص على الإحتفاظ بأسمائها القديمة حتى مع تغير العمران، لأنها تدرك أن الهوية لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالأسماء والذكريات التي تحفظ تاريخ المكان.
ومكة المكرمة، بما تمثله من عمق تاريخي وروحي، أولى المدن بالحفاظ على هذا الإرث. فالأحياء التي احتضنت الحجاج عبر مئات السنين تستحق أن تبقى حاضرة في الذاكرة، ولو عبر أسماء تُزين ساحات المسجد الحرام.
إن إعادة تسمية بعض ساحات الحرم بمسميات الأحياء التاريخية ليست مجرد فكرة تنظيمية، بل لفتة وفاء لذاكرة مكة، وتأكيد على أن التطوير يمكن أن يسير جنباً إلى جنب مع حفظ التاريخ والهوية.
فحين تعود الأسماء… تعود معها ذاكرة المكان.
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية


.jpg)



.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)




.jpg)
.jpg)















.jpg)

.jpg)




