الكاتبة - مريم سليمان الجهني .
لا أقبل الهدنة ولا رفع راية الإستسلام. لا يهدأ في صدري قرقعة طبول الحرب، ولا أرى جنودًا غيري.
هناك تبعثرٌ في خطط الجيش، فمنهم من يرى أنني على رأيٍ صائب فيما قررت من خوض المعارك، ومنهم من يرى أن الهدنة هي الحل الأمثل، ولا يرى في دواعي الحرب إلا كثيرًا من الخسائر، ومنهم من يرى أن نخوض مزيدًا من الحروب ونكسب المزيد من الغنائم والأسرى.
أولئك الذين يستحقون السجن مدى الحياة، ولا يُعاملون معاملة الأسرى، إنما يُعاملون كمجرمي حرب، لأنهم هم من اخترعوا السلاح واستخدموه في أسوأ صور الإجرام دون رأفة.
نعم، هي معاركي الآن، ولا وجود لكم فيها، فأنتم مجرد سجناء يلتبسون ثوب الجريمة، ويتغذون على دماء الأبرياء الذين كانوا يتجسدون مشاعر البشر ويفتقدون حيل الكائدين.
نعم، أنتم سجناء في سجوني أنا، وأنا الآن الحاكم والقائد والمحارب، بعيدًا عما كنت عليه من خليط السلاح والمحب.
وإن كنت أرتدي درع الإخلاص، فإنه الآن قد استُبدل بآخر كُتب عليه: أنا ومن بعدي الطوفان.
لقد تخليت عن قوانين المحارب الشريف لأعلن قانونًا جديدًا في مدينتي: العين بالعين، والسن بالسن، والبادي أظلم.
وألا تأخذنا الرأفة بمن لا يستحقون ذلك، إنما نحن أهلٌ لأخذ الحق وردّه إلى جدار القلب، ليُعمّر من جديد بنوعٍ آخر من خام البنيان الراسخ من حديد.
فقد استطعتم هدمنا بسهولة، للين جدارنا المبني من مشاعر الصدق والحب والتقدير لمن ليس أهلًا لها.
أما اليوم، فلم يعد ذلك الجدار كما كان، ولم تعد تلك الأبواب مشرعة لكل عابر. فقد تعلمت الحصون كيف تُغلق منافذها، وتعلمت القلاع كيف تراقب القادم إليها قبل أن تمنحه الأمان.
لقد كانت الخسائر كبيرة، لكنها لم تكن كافية لإسقاط المدينة، وكانت الجراح عميقة، لكنها لم تكن كافية لإنهاء الحرب. فكل ضربة وجهتموها كانت درسًا، وكل خيبة زرعتموها كانت حجرًا جديدًا في بناء هذا السور.
وإن كنتم تظنون أن الركام هو النهاية، فأنتم لا تعرفون كيف تُبنى المدن من جديد. فبعض المدن لا تُهزم حين تُهدم، بل تُولد من بين أنقاضها أكثر قوةً وصلابة.
ولم يعد يهمني أن أكسب مزيدًا من الغنائم الهزيلة، أو أن أضيف نصرًا زائفًا إلى سجل المعارك، فقد انتهى زمن الركض خلف المكاسب الصغيرة، ولم يعد في ساحتي متسع لما لا يستحق أن يُقاتل من أجله. فأنا اليوم أخوض معارك أكبر من أن تُقاس بغنيمة، وأثمن من أن تُختزل في أسير أو راية تُرفع فوق أرضٍ خربة.
فأنا اليوم أعرف جيدًا من أكون، وأعرف جيدًا من أنتم، وأعرف أن بعض المعارك لا تُخاض من أجل النصر، بل من أجل استرداد الكرامة، واستعادة الأرض التي حاول الآخرون احتلالها باسم المحبة، بينما كانوا يزرعون الخراب في كل زاوية منها.
لذلك لا تنتظروا مني راية بيضاء، ولا تنتظروا أبوابًا مفتوحة، فقد انتهى زمن العفو والصفح، وحلّ مكانه زمنٌ آخر لا تتحدث فيه المدافع إلا بلغتها، ولا تُسمع فيه إلا أصداء الانفجارات التي خلّفتها أيديكم.
لقد زرعتم في أرض المعركة قنابلكم المؤجلة، وظننتم أنكم غادرتم سالمين، لكنكم نسيتم أن الشظايا لا تختار ضحاياها، وأن الخراب الذي يُطلق في اتجاه الآخرين لا بد أن يجد طريق عودته يومًا.
فكل حصن هُدم، وكل جدار تصدّع، وكل مدينة أُحرقت بنيران الغدر، ترك خلفه سحابةً من الرماد لا تنسى مصدر الشرارة الأولى. وما ترونه اليوم ليس إلا آثار حربٍ أشعلتم فتيلها بأنفسكم، ثم استغربتم حين امتدت ألسنة اللهب إلى كل ما حولها.
أما أنا، فلم أعد أحصي الخسائر، بل أراقب ساحة المعركة بصبر القائد الذي يعلم أن بعض الحروب لا تنتهي عند سقوط القذيفة الأولى، وإنما عند سقوط آخر وهمٍ ظن أصحابه أنهم قادرون على الإفلات من نتائج ما صنعت أيديهم
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)

.jpg)


.jpg)

.jpg)
.jpg)




.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)















.jpg)




