صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 2 ساعة و 1 دقيقة 0 6 0
بين المحاباة والإستحقاق .
بين المحاباة والإستحقاق . إستمع للمحتوى

 

  الكاتبة - مريم سليمان الجهني .


 

كثيرًا ما نسمع، بل ربما نجزم في بعض المواقف، بأن تلك الأم تفضّل ابنًا على آخر، أو أن ذلك الأب تختلف ابتسامته عند حضور أحد أبنائه، فينشأ لدى البعض شعور بأنه أقل مكانة من غيره. وقد لا يكون لهذا الشعور دليل واضح، وإنما هو تفسير شخصي لموقف أو نظرة أو تصرف عابر.

 

ونسمع كذلك في بيئة العمل عن موظف لم يمضِ سنوات طويلة في الخدمة، ثم يُعيَّن مديرًا لقسم أو رئيسًا لإدارة تضم موظفين أقدم منه. ورغم أن اختياره قد يكون نتيجة مقابلات، وتقارير أداء، وتقييم من لجنة مختصة، إلا أن أول ما يتردد على الألسنة: “أكيد واسطة”، وكأن الكفاءة أصبحت احتمالًا ضعيفًا، والواسطة هي التفسير الأسهل لكل نجاح.

 

وهذا لا يقتصر على الأسرة والعمل، بل يمتد إلى المدرسة، وإلى المجتمع، وإلى كثير من تفاصيل حياتنا. فنحن أحيانًا نستسهل إطلاق الأحكام دون أن نعرف الأسباب الحقيقية، لأننا ننظر إلى النتيجة ولا ننظر إلى الطريق الذي أوصل إليها.

 

والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الحياة لم تُبنَ على المساواة المطلقة، وإنما على الإستحقاق. فالمساواة تعني إعطاء الجميع الشيء نفسه، أما العدل فهو أن يأخذ كل إنسان ما يستحقه بحسب عمله، وجهده، وإخلاصه، وقدرته على تحمل المسؤولية.

 

ولو تأملنا في حياتنا اليومية لوجدنا أن كل شيء يقوم على هذا المبدأ.

 

فالطبيب الإستشاري لا يصل إلى مكانته لأنه الأكبر سنًا، وإنما لأنه أمضى سنوات طويلة في التعلم والخبرة حتى أصبح أهلًا لتلك المنزلة. وقائد الطائرة لا يُختار لأنه الأكثر عمرًا، بل لأنه الأكثر كفاءة وقدرة على تحمل مسؤولية أرواح الناس. والقاضي لا يحكم لمن يحب، وإنما لما تُثبته الأدلة. وحتى في الرياضة، لا يشارك جميع اللاعبين في التشكيلة الأساسية، لأن المدرب يبحث عن الأكثر جاهزية والأفضل أداءًا، لا عن الأقدم وجودًا.

 

وكذلك داخل الأسرة، فالابن البار الذي يُبادر بخدمة والديه قبل أن يُطلب منه، ويشعر بحاجتهما، ويحرص على رضاهما، ليس كمن لا يتحرك إلا بعد كثرة الطلب، وليس كمن يعتذر دائمًا بانشغاله بأمور الدنيا. وليس المقصود أن الوالدين يُحبّان أحدًا أكثر من الآخر، وإنما من الطبيعي أن يترك حُسن البر أثرًا في القلب، كما يترك العقوق أثرًا مؤلمًا.

 

وفي العمل، الموظف الذي يحضر في وقته، وينجز أعماله بإتقان، ويتحمل مسؤولياته، ويطور نفسه باستمرار، ليس كمن يتأخر، ويؤجل، ويبحث عن الأعذار أكثر من بحثه عن الإنجاز. فإذا رُقي الأول، فلا يصح أن نصف ذلك بالمحاباة قبل أن ننظر إلى ما قدمه.

 

وكذلك الطالب ؛ هل يستوي من سهر الليالي، ونظم وقته، وضحّى براحته حتى حقق التفوق، بمن أهمل دراسته، واستهان بالحضور، وأضاع أيامه، ثم استغرب لماذا لم يُكرَّم؟ إن التكريم نتيجة طبيعية للعطاء، وليس جائزة توزع لإرضاء الجميع.

 

بل حتى في التجارة، هل يساوى التاجر الأمين الذي بنى سمعته بالصدق، بمن غش الناس وأخل بالأمانة؟ وهل يتساوى المعلم الذي يخلص في رسالته ويزرع العلم والقيم، بمن يؤدي عمله بلا اهتمام؟ وهل يتساوى من يحفظ الأمانات بمن يفرط فيها؟ لكل عمل أثر، ولكل أثر نتيجة.

 

ولذلك فإن اختلاف المراتب سنة من سنن الحياة، لا ظلمًا فيها إذا قامت على العدل والإستحقاق.

 

الإستحقاق… سنةٌ إلهية .

 

بل إننا لو تأملنا في ديننا لوجدنا هذا المبدأ حاضرًا بوضوح . فالله سبحانه وتعالى جعل الأجور متفاوتة، والثواب درجات، وربطها بالإيمان والعمل والإخلاص. وجعل للجنة درجات، ولم يجعل أهلها في منزلة واحدة، لأن الأعمال ليست سواء.

 

قال تعالى:

﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ﴾،

 

وقال سبحانه:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾.

 

وقال جل وعلا:

﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾.

 

وقال رسول الله ﷺ:

«المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير.»

 

ومن تمام هذا المعنى أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل حتى أهل الجنة في منزلةٍ واحدة، بل جعلها درجات ومراتب، يترقى فيها العباد بحسب ما قدموا من إيمان وعمل صالح. فلو كانت المساواة هي الأصل في الجزاء، عندما يتساوى الجميع في المنزلة، ولكن عدل الله اقتضى أن يكون التفاضل مبنيًا على العمل، لا على التمني، ولا على الأنساب، ولا على مجرد الإدعاء. وحتى الأنبياء والرسل، مع علو منزلتهم جميعًا، فضّل الله بعضهم على بعض، ليبقى ميزان التفاضل قائمًا على الحكمة والعدل، لا على المحاباة. فإذا كان هذا هو ميزان السماء، فكيف نستغرب أن تقوم شؤون الدنيا أيضًا على الكفاءة، والأمانة، والإخلاص، وتحمل المسؤولية، متى تحقق فيها العدل؟

 

تأملوا هذا الحديث العظيم؛ فلم يسلب الضعيف الخير، لكنه بيّن أن القوة المقرونة بالإيمان والعمل والقدرة على النفع تجعل صاحبها أفضل منزلة.

 

وكذلك الحب ليس درجة واحدة، فهناك مودة، وهناك محبة، وهناك عشق، وهناك وله، ولكل مرتبة شعورها وأثرها. فلماذا نستغرب أن تكون العلاقات، والوظائف، والمكانة الإجتماعية، وحتى القرب من الناس، درجات متفاوتة؟

 

إن المشكلة ليست في وجود المراتب، وإنما في تفسيرها تفسيرًا خاطئًا. فبعض الناس إذا رأى غيره يتقدم عليه، لم يسأل نفسه: ماذا قدّم حتى استحق ذلك؟ بل سارع إلى اتهام الآخرين بالمحاباة أو الواسطة أو الظلم، مع أن الإنصاف يقتضي أن ننظر أولًا إلى الأسباب الحقيقية.

 

وليس معنى هذا أن المحاباة غير موجودة؛ فهي موجودة في بعض النفوس، كما أن الواسطة والظلم موجودان في بعض البيئات، لكن الخطأ أن نجعلهما التفسير الوحيد لكل نجاح، فنظلم المجتهدين، ونبخس الأكفاء حقهم، ونقتل في المجتمع قيمة الإجتهاد والإستحقاق.

 

فالإنسان الناجح لا ينشغل بمن سبقه، وإنما ينشغل بالسؤال: كيف أكون أفضل؟ وكيف أطور نفسي؟ لأن المقارنة التي تصنع النجاح هي مقارنة الإنسان بنفسه، لا بغيره.

 

وقبل أن نحكم على غيرنا، لنسأل أنفسنا: هل نحن ننظر إلى النتيجة فقط، أم إلى الطريق الذي سلكه صاحبها؟ وهل كل من سبقنا سُلب حقنا، أم أنه ربما سبقنا ببذلٍ لم نره، أو بصبرٍ لم نعشه، أو بإخلاصٍ لم نطّلع عليه؟

 

إن الحياة لا تزن الناس بأمنياتهم، وإنما بأعمالهم، والله سبحانه وتعالى هو أعدل العادلين، وقد جعل حتى الجزاء الأخروي مراتب ودرجات، ليبقى الإستحقاق سنةً ماضية في الدنيا والآخرة. فمن أراد منزلةً أعلى، فليجتهد في أسبابها، وليحسن فيما بينه وبين الله، ثم فيما بينه وبين الناس، فالثمار لا تُجنى قبل غرسها، والمنازل لا تُنال بمجرد الرغبة، وإنما تُبنى بالصبر، والإجتهاد، والإخلاص.

 

ولذلك، فلنفرق دائمًا بين المحاباة والإستحقاق؛ فالمحاباة ظلم، أما الإستحقاق فهو عدل. وليس كل من تقدم كان مفضَّلًا بغير حق، وليس كل من تأخر كان مظلومًا.

 

فالمراتب تُبنى بالأفعال، والكفاءة، والإخلاص، وحسن التدبير، لا بمجرد الأقوال، ولا بطول السنوات، ولا بكثرة الشكوى. ومن أدرك أن حتى الجنة درجات، أيقن أن الإستحقاق سنةٌ إلهية، وأن الحياة لا توزِّع المنازل بالتمني، بل بالعطاء، وأن لكل امرئٍ من سعيه نصيبًا، ولكل مجتهدٍ منزلةً بقدر ما قدَّم.

 

﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ۝ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: 39-41].

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق