الكاتبة - مريم سليمان الجهني .
حين رأى العصفور باب القفص مواربًا، لم تكن فرحته تشبه فرحة من وجد حريته؛ كانت دهشة من رأى طريقًا لم يعرفه من قبل.
هرب… لا لأنه اختار الرحيل، بل لأن الباب فُتح. ومنذ لحظة هروبه، صار يخشى العودة إلى القفص مرةً أخرى، حتى إنه فقد ثقته بالأيدي الحانية التي تمتد إليه؛ كل يدٍ تقترب منه، يظن أنها ستقبض عليه لتعيده إلى قفصه.
وثمة عصفورٌ آخر وُلد في القفص؛ لم يعرف غيره، فظن أن هذا هو العالم، وأن القضبان حدوده الطبيعية. كبر، وقوي ريشه، وبدأ يحاول الطيران من سقف القفص إلى أطرافه، يقع تارةً ويحاول تارةً أخرى، حتى أدرك متأخرًا أنه لم يكن حرًا… كان فقط معتادًا على سجنه.
ومن هنا أدركت أن ثمن الحرية ليس دائمًا غاليًا، لكن ثمن أن تعيش دونها قد يكون باهظًا جدًا.
وما أجمل أن تجتمع الصحة والحرية؛ فهما نعمتان لا ندرك عظيم ثمنهما إلا حين نفتقدهما.
فالحرية الأجمل ليست انفلاتًا بلا حدود، بل حريةٌ لها إطارٌ يحميها، وقوانين تحفظها؛ فالحرية التي بلا حدود ليست حريةً محمودة، وحتى في الإسلام لم تكن الحرية انفلاتًا، بل كانت حقًا تحكمه المسؤولية والشرع.
جميل أن تشعر أنك حرٌّ لنفسك، لست حبيسًا لإرادة أحد، وأن تختار طريقك بنفسك، وإن كان طويلًا ومتعبًا؛ لأنه طريقك أنت.
والأجمل أن يسكن الأمان قلبك وأنت تختار، لا أن تختار لأنك خائف.
فالحرية ليست بابًا مفتوحًا بلا نهاية…
الحرية أن يكون لك باب، وأن يكون مفتاحه في يدك، وأن تشعر بالأمان وأنت تختار متى تفتحه.
وللحرية ثمن…
أن تتخلى عن رضا الآخرين حين يصبح ثمنه رضاك عن نفسك، وأن تتحمل تبعات قرارك بدل أن تعيش بقية عمرك تلوم من اختار عنك.
قد تخسر طريقًا مألوفًا، أو أشخاصًا اعتدت وجودهم، أو صورةً رسمها الآخرون لحياتك… لكنك في المقابل تستعيد شيئًا لا يُشترى: حقك في أن تكون أنت.
وأظن أن أرقى الحرية أن لا تحتاج إلى التمرد كي تثبت أنك حر، ولا إلى إيذاء أحد كي تثبت استقلالك؛ يكفي أن تمتلك وعيك، وقرارك، وحدودك، وأن تعرف متى تقول: هذا اختياري.
فليست كل الأبواب المغلقة ظلمًا، وليست كل الأبواب المفتوحة نجاة؛ الحكمة أن تعرف أي بابٍ يستحق أن تطرقه، وأي طريقٍ يستحق أن تدفع ثمنه.
وما دام الإنسان قادرًا أن يختار دون خوف، وأن يمضي دون أن يُسلب حقه، وأن يعود إلى نفسه كلما تاه… فهناك تبدأ الحرية الحقيقية.
لأن أثمن ما تمنحه الحرية ليس اتساع الطريق… بل اتساع الروح.
وربما لهذا تشبه الحرية الحب؛ فكلاهما لا يحتمل القفص، ولا يزدهر تحت الخوف.
فالحب الذي يحتاج إلى مراقبةٍ دائمة، وأسئلةٍ لا تنتهي، وأبوابٍ مغلقة، ليس حبًا يطمئن له القلب؛ لأن القلب حين يشعر أنه مُراقَب، يتعلم الصمت، وحين يخاف العقاب، يتعلم الإختباء، وحين يُمنع من الإختيار، يبدأ بالرحيل ولو بقي جسده في المكان.
الحب الحقيقي لا يقول لك: كن كما أريد، بل يهمس لك: كن كما أنت، وأنا أحبك كما أنت.
أن أترك لك مساحةً تتنفس فيها، لا لأنني لا أخاف فقدك، بل لأنني أثق أن من اختار البقاء لن يحتاج إلى قيد.
وما أعمق أن يحبك أحدهم وهو يعرف أنه لا يملكك… يعرف أنك تستطيع الرحيل، ومع ذلك يمنحك من الأمان ما يجعلك تختار البقاء.
تلك هي الحرية التي تشبه الحب؛ أن يكون الباب مفتوحًا، ولا يهرب أحد.
أن تستطيع أن تقول «لا» دون أن تخسر الأمان، وأن تقول «نعم» لأن قلبك أرادها، لا لأن الخوف دفعك إليها.
فليس كل من بقي كان سعيدًا، وليس كل من رحل كان خائنًا؛ بعضهم بقي لأنه لم يجد بابًا، وبعضهم رحل حين وجد الباب مفتوحًا، وبعضهم عاش عمره كله خلف قضبانٍ لم يعرف أنها قضبان.
وأجمل العلاقات تلك التي لا تحتاج إلى أقفاص؛ لأن الطائر حين يجد في يدك أمانًا يشبه السماء، لن يبحث عن نافذةٍ ليهرب منها.
فلا تُحبني بطريقة تجعلني أخاف فقدك…
أحبني بطريقة تجعلني، رغم قدرتي على الرحيل، أختارك كل مرة.
هناك فقط… تصبح الحرية حبًا، ويصبح الحب وطنًا، ويصبح البقاء أجمل من الهروب.
لأنأثمن ما تمنحه الحرية ليس اتساع الطريق… بل اتساع الروح .
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)


.jpg)



.jpg)














.jpg)




