صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 2 ساعة 0 5 0
عمى البصيرة .
عمى البصيرة . إستمع للمحتوى

 

 

 الكاتبة / مريم سليمان الجهني .


 

كنتَ تملك روايةً نادرة،

روايةً جميلة المخطوطة، واضحة المعاني، أنيقة الحروف،

روايةً كان يكفي أن تتأمل صفحاتها لتدرك قيمتها،

لكنّك لم تفعل.

 

كانت بين يديك،

قريبةً منك بما يكفي لتعرف قدرها،

لكنّك لم تُحسن القراءة،

ولم تُدرك أن بعض الروايات لا تتكرر مرتين في العمر.

 

فتركتها خلفك،

واستبدلتها بأُقصوصةٍ مرميةٍ على قارعة الطريق،

تتقاذفها الرياح من جهةٍ إلى أخرى،

وتعبر فوقها الأقدام بلا اكتراث،

حتى بهتت حروفها، وتشوهت معانيها، وامّحت ملامحها.

 

حاول أن يلتقطها ليقرأها بعينيه،

وتحدّق فيها طويلًا كمن يحاول الإمساك بالهواء،

لكنه وجدها ممزقة الحروف،

مبعثرة السطور،

مُهانة المعاني،

لا يكاد يُرى منها شيء يستحق التوقف عنده.

 

ومع ذلك،

أرهق بصره في محاولةٍ يائسة،

يحاول أن يرى فيها ما ليس فيها،

وأن يمنحها قيمةً لم تملكها يومًا،

وأن يقنع نفسه بأنها رواية،

مع أنها لم تكن سوى أُقصوصةٍ بالية،

لا تحمل مجد قصة،

ولا فخر حكاية،

ولا جمال ذكرى تُروى لمن نحب.

 

كانت مجرد ورقةٍ تائهة،

كلما حملتها الرياح إلى مكانٍ جديد،

ازدادت تمزقًا،

وكلما مرّت عليها الأقدام،

فقدت شيئًا آخر من ملامحها،

حتى لم يبقَ فيها ما يُقرأ،

ولا ما يُستعاد.

 

وحين طال الوقوف عندها،

لم تتشوه الأُقصوصة وحدها،

بل تشوّهت المقاييس أيضًا.

 

فالعين التي اعتادت رؤية الرديء،

تفقد قدرتها على التمييز،

والبصر الذي أطال النظر في الفوضى،

لا يعود يرى الجمال كما كان يراه من قبل.

 

لهذا،

لا تحاول العودة إلى مكتبة حياتك

باحثًا عمّا فرّطت فيه ذات يوم.

 

ولا تحاول أن تمد يديك إلى الرواية التي تركتها،

فليست كل الأشياء تعود كما كانت،

وليست كل الفرص تنتظر أصحابها إلى الأبد.

 

لا تلمسها بيدين علقت بهما بقايا الغبار،

وغبار الخيبات أثقل من أن يُنفض بسهولة.

 

لقد جئت تحاول أن تقرأها من جديد،

لكن كل ما كسبته من رحلتك الطويلة مع الأُقصوصة

كان مزيدًا من التعب،

ومزيدًا من الضباب في الرؤية.

 

أنت غير مهيأ لقراءة روايةٍ بيّنة المعاني،

سليمة الحروف،

نظيفة الصفحات،

لأن الروايات العظيمة لا تُفهم بعينٍ اعتادت التشوه،

ولا تُقدَّر بقلبٍ ألِف الرداءة.

 

مكانها ليس بين الأشياء العابرة،

ولا فوق رفوفٍ يمر بها الجميع.

 

مكانها أعلى من ذلك.

 

مكانها في فِترينةٍ من زجاج،

محفوظة من عبث العابرين،

ومصونة من الأيدي التي لا تعرف قيمة ما تلمس.

 

زجاجها لا يُفتح لكل أحد،

ولا يسمح لكل يدٍ أن تمتد نحوه.

 

إنه ينتظر يدين نظيفتين،

لم تتلوثا بالخيبات،

ولم تعتدا التقاط ما يُرمى في الطرقات.

 

ينتظر قارئًا صادقًا،

عيناه ما زالتا قادرتين على التمييز بين النفيس والعابر،

وبين الندرة والابتذال.

 

قارئًا يدرك أن بعض الأشياء لا تُقاس بكثرة من عرفها،

بل بقيمة ما تحمله في داخلها.

 

هي روايةٌ حُفظت لمن يستحقها،

ولمن يعرف كيف يقرأ ما بين السطور،

ولمن يُقدّر المعاني قبل المظاهر،

ويفهم أن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيجٍ ليُثبت نفسه.

 

لقد مرّت في حياتك صدفة،

صدفةً لم تكن بحجمها،

ولا بحجم قيمتها.

 

وحاولتَ أن تجعل من أُقصوصةٍ بالية رواية،

وأن تمنحها مكانةً لا تملكها،

لكنها بقيت كما هي،

عاجزةً عن الصعود إلى مقام الروايات العظيمة.

 

ولأنك لم تعرف الفرق بين ما يُقتنى للعمر كله،

وما يُلتقط مصادفةً من أرضٍ مزدحمةٍ بالأقدام،

اختلطت عليك المقاييس.

 

فصرت ترى الندرة مبالغة،

وترى الابتذال أمرًا طبيعيًا.

 

وألفت الرديء حتى ظننته نصيبك،

واستثقلت النقيّ لأنه يحتاج روحًا تعرف قيمته،

لا عينًا عابرة تنظر إليه ثم تمضي.

 

الروايات العظيمة لا تركض خلف قارئ،

ولا تستجدي اهتمام أحد.

 

هي تبقى في مكانها،

عاليةً كما هي،

ويصعد إليها من يستحقها.

 

أما من اعتاد الإنحناء ليلتقط ما سقط في الطرقات،

فلن يرى القمة مهما رفع رأسه.

 

وما خسرت هي حين ابتعدت،

بل نجت.

 

نجت من أن تُقرأ بعينٍ لا تُحسن التقدير،

ومن أن تُحمَل بيدٍ اعتادت حمل كل شيء

إلا المسؤولية.

 

ستبقى هناك،

مصونةً كما كانت،

لامعةً كما كُتبت أول مرة.

 

لا ينقصها أن أحدًا لم يصل إليها،

ولا يضرها أن أحدًا لم يفهمها.

 

فالقيمة الحقيقية لا يصنعها عدد القرّاء،

بل القلب الذي يعرف كيف يفتح الصفحة الأولى.

 

أما أنت،

فستبقى تُرمّم الأُقصوصات بأعذارك،

وتسمي الغبار ذكريات،

والخيبة تجربة،

حتى يزداد الضباب في عينيك،

ولا تعود قادرًا على التفرقة بين روايةٍ تُخلَّد،

وورقةٍ تُرمى .

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق