صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 1 ساعة 0 7 0
( الأمراض المناعية وعلاقتها بالألم النفسي)
( الأمراض المناعية وعلاقتها بالألم النفسي) إستمع للمحتوى

 

 

الكاتبة - هويدا الشوا


 

يُنظر إلى الأمراض المناعية عادةً على أنها اضطرابات جسدية يهاجم فيها الجهاز المناعي أنسجة الجسم عن طريق الخطأ. إلا أن العديد من المختصين في مجال علم النفس الجسدي يرون أن الجسد والعقل ليسا عالمين منفصلين، وأن الضغوط النفسية المزمنة والصدمات العاطفية قد تسهم في ظهور بعض الأمراض أو زيادة حدتها.

 

وفق هذا المنظور، قد يُعبّر الجسد أحيانًا عن معاناة لم تجد طريقها إلى الكلمات. فالمشاعر المكبوتة، والألم النفسي غير المعالج، والضغوط المستمرة قد تتحول مع مرور الوقت إلى حالة من الاستنزاف تؤثر في التوازن النفسي والمناعي للإنسان.

 

من أبرز العوامل التي يربطها بعض المختصين النفسيين باضطرابات المناعة:

 

* التعرض لصدمات نفسية في الطفولة أو خلال مراحل الحياة المختلفة.

* الشعور المستمر بالخوف أو التهديد.

* كبت مشاعر الغضب والحزن لفترات طويلة.

* التضحية المفرطة بالذات وإهمال الاحتياجات الشخصية.

* الصراعات الداخلية والشعور بعدم الاستحقاق.

* الضغوط المزمنة التي تستمر سنوات دون راحة أو دعم كافٍ.

 

في بعض الحالات، يعيش الإنسان سنوات طويلة محاولًا التكيف مع الألم النفسي بصمت، بينما يبقى جسده في حالة استنفار مستمرة تؤثر في وظائفه الحيوية والمناعية.

 

كيف نتجاوز الألم النفسي؟

 

إن الشفاء لا يقتصر على علاج الأعراض الجسدية فحسب، بل يشمل أيضًا العناية بالعالم الداخلي للإنسان.

 

1. الاعتراف بالمشاعر

 

أولى خطوات التعافي هي التوقف عن إنكار الألم النفسي. فالاعتراف بالحزن أو الغضب أو الخوف لا يزيدها قوة، بل يفتح الباب للتعامل معها بطريقة صحية ومتوازنة.

 

2. معالجة الصدمات القديمة

 

قد تبقى الصدمات غير المعالجة حاضرة في الجهاز العصبي لسنوات طويلة. لذلك يمكن أن تساعد الاستعانة بمعالج نفسي مؤهل على فهم هذه الخبرات والتعافي من آثارها.

 

3. التعبير بدلًا من الكبت

 

تُعد الكتابة، والحوار الصادق، والرسم، والأنشطة الإبداعية وسائل فعالة للتعبير عن المشاعر وإخراجها بدلًا من تخزينها داخليًا.

 

4. وضع حدود صحية

 

يعاني كثير من الأشخاص الذين يعيشون تحت ضغط مزمن من صعوبة قول "لا". لذا فإن تعلم حماية الوقت والطاقة والاحتياجات الشخصية خطوة مهمة لاستعادة التوازن النفسي.

 

5. تهدئة الجهاز العصبي

 

يساعد التأمل، وتمارين التنفس، والصلاة، والمشي في الطبيعة، والحصول على نوم كافٍ في تقليل حالة الاستنفار المستمرة التي يعيشها الجسم.

 

6. بناء علاقة أفضل مع الذات

 

إن التوقف عن جلد الذات، وممارسة التعاطف مع النفس، وتقبل جوانب الضعف الإنسانية، كلها أمور تسهم في تخفيف الصراع الداخلي واستعادة السلام النفسي.

 

(أمثلة على بعض الأمراض المناعية وعلاقتها بالضغوط النفسية):

 

( الثعلبة البقعية):

 

يلاحظ بعض المرضى ظهور الثعلبة بعد التعرض لصدمة عاطفية أو ضغط نفسي شديد. ويرى بعض المختصين أن التوتر المستمر قد يؤثر في توازن الجهاز المناعي. ومن الناحية النفسية تُربط أحيانًا بمشاعر الخوف أو فقدان الإحساس بالأمان.

 

**ما قد يساعد في التخفيف من آثارها:**

 

* معالجة الصدمة أو الحدث الضاغط.

* تطبيق تقنيات الاسترخاء وتخفيف التوتر.

* الاستفادة من العلاج النفسي عند وجود ضغوط مستمرة.

 

( الصدفية):

 

يُعد الجلد وسيلة التواصل الأولى مع العالم الخارجي، لذلك يربط بعض المعالجين النفسيين الصدفية بمشاعر التوتر المزمن أو الحساسية تجاه النقد والضغوط الاجتماعية. كما يلاحظ كثير من المرضى زيادة الأعراض خلال فترات القلق.

 

**ما قد يساعد:**

 

* تقليل مصادر الضغط النفسي.

* تحسين جودة النوم.

* تعلم مهارات التعامل مع القلق والغضب.

 

( التهاب المفاصل الروماتويدي):

 

في بعض المدارس النفسية، يُربط هذا المرض بأشخاص يتحملون مسؤوليات كبيرة لفترات طويلة ويكبتون احتياجاتهم ومشاعرهم. ويُعتقد أن الإجهاد النفسي المستمر قد يسهم في زيادة الالتهابات لدى بعض المرضى.

 

**ما قد يساعد:**

 

* تحقيق التوازن بين العطاء للنفس والآخرين.

* التعبير عن المشاعر بدلًا من كبتها.

* الحد من الإرهاق الجسدي والنفسي المزمن.

 

( الذئبة الحمراء):

 

تشير بعض الدراسات إلى أن الضغوط النفسية والصدمات قد تكون من العوامل التي تسبق نشاط المرض أو تزيد من حدته لدى بعض المرضى. كما تُناقش أحيانًا العلاقة بين الإرهاق العاطفي الطويل والصراع الداخلي المستمر وبين تفاقم الأعراض.

 

**ما قد يساعد:**

 

* الحصول على دعم نفسي واجتماعي.

* إدارة الضغوط اليومية بفعالية.

* تبني نمط حياة أكثر استقرارًا وتوازنًا.

 

(التصلب المتعدد):

 

لا توجد أدلة علمية تثبت أن التصلب المتعدد مرض نفسي المنشأ، إلا أن بعض الدراسات وجدت ارتباطًا بين الأحداث الحياتية الشديدة وبين زيادة احتمالية الانتكاسات لدى بعض المرضى. لذلك تُعد العناية بالصحة النفسية جزءًا مهمًا من إدارة المرض.

 

**ما قد يساعد:**

 

* تقليل التوتر المزمن.

* ممارسة نشاط بدني مناسب.

* طلب الدعم النفسي عند الحاجة.

 

(الفكرة الأهم):

 

إذا كانت الضغوط النفسية قد ساهمت في ظهور المرض أو تفاقم أعراضه، فإن التعامل معها لا يكون بإنكارها أو تجاهلها، بل من خلال:

 

1. فهم المشاعر الحقيقية والتعبير عنها بطريقة صحية.

2. معالجة الصدمات القديمة عند وجودها.

3. تحسين النوم وممارسة النشاط البدني المنتظم.

4. تعلم مهارات إدارة القلق والتوتر.

5. طلب المساعدة النفسية المتخصصة عند الحاجة.

6. الاستمرار في العلاج الطبي وعدم استبداله بالتفسيرات النفسية.

 

كما يربط بعض المعالجين النفسيين هذه الاضطرابات بأنماط متكررة مثل:

 

* كبت الغضب لفترات طويلة.

* الصدمات العاطفية غير المعالجة.

* الشعور المزمن بالتهديد أو فقدان الأمان.

* الضغوط النفسية المستمرة لسنوات.

* الصراع الداخلي والشعور بالذنب أو النقد الذاتي القاسي.

 

خاتمة

 

يبقى الإنسان وحدة متكاملة؛ فما يؤلم الروح قد يترك أثره في الجسد، وما يرهق الجسد قد ينعكس على النفس. ورغم أن الأمراض المناعية لها أسباب وعوامل طبية معقدة ومتعددة، فإن الاهتمام بالصحة النفسية يظل جزءًا مهمًا من رحلة العلاج والتعافي. إن منح أنفسنا مساحة للتعبير عن المشاعر، والتعامل مع الضغوط بوعي، وطلب الدعم عند الحاجة، ليس رفاهية، بل استثمار حقيقي في صحتنا وجودة حياتنا. فكل خطوة نحو السلام الداخلي قد تكون خطوة إضافية نحو حياة أكثر توازنًا وطمأنينة.

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق