الكاتبة - مريم سليمان الجهني .
من حقنا أن نحتفل ونفرح في يومٍ غالٍ على قلوبنا كسعوديين، ومن حق كل منصفٍ يعيش بيننا أن يفرح بهذا الوطن؛ يوم نستشعر فيه نعمة الأمن والأمان، تحت قيادةٍ تخاف الله فينا، ومن حقها علينا أن نخاف الله فيها.
نعم، يحق لنا أن نحتفل، وأن نظهر فرحتنا، لكن هناك فرقًا بين أن نحتفل بالوطن، وبين أن نكون أهلًا لما يعنيه الوطن.
فالاحتفال لحظة، أما الوطنية فمسيرة.
والعلم الذي نرفعه في يومٍ واحد، يجب أن يظل حاضرًا في ضمائرنا كل يوم.
ورفع شعار التوحيد ليس مجرد صورةٍ تكتمل بها مظاهر الإحتفال؛ فهذا الشعار يحمل أعظم كلمة، ويختصر عقيدةً وأمانة ومسؤولية. ومن يرفعه، لا يُطلب منه أن يراه بعينيه فقط، بل أن يعيش معناه في عمله، وفي عدله، وفي أمانته، وفي معاملته للآخرين.
فما قيمة أن نحفظ شكل الشعار إذا لم نحفظ المعنى الذي يحمله؟
الوطنية ليست أن نرفع أصواتنا في حب الوطن، ثم تخفت أصوات ضمائرنا حين يتعلق الأمر بحقوق الناس. وليست أن نصفق بقوة، بينما نتساهل في أداء واجبٍ اؤتُمنا عليه.
الوطن لا يُبنى بالمشاعر وحدها، وإن كانت المشاعر هي البداية؛ يُبنى حين تتحول المحبة إلى سلوك، والانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى أمانة، والمنصب إلى خدمة، والفرصة إلى استحقاق.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا سؤالًا قد يكون أصعب من الإحتفال نفسه:
هل نحن فعلًا على قدر اسم «سعودي» الذي نحمله؟
ليس المقصود أن نكون كاملين؛ فالكمال ليس للبشر، وإنما أن نكون صادقين مع أنفسنا في محاولة أن نكون أفضل. أن يعرف كل واحدٍ منا أن الوطن ليس شيئًا بعيدًا عنه، فالوطن ليس حدودًا جغرافية ترسمها الخرائط أو نرسمها على ورق؛ الوطن حدودٌ في القلب، تسكنها محبته، وتعيش في نبضه ودقاته. وأن الخلل الذي نراه في مؤسسة أو شارع أو جهة أو وظيفة قد يبدأ أحيانًا من تنازل صغير عن الأمانة قام به فرد، ثم اعتاده، ثم أصبح سلوكًا يتكرر.
الوطن لا يتضرر فقط من الأخطاء الكبيرة؛ أحيانًا يؤذيه الشيء الصغير الذي استهان به صاحبه، لأنه يملك القدرة على تكراره.
وهنا تبدأ الوطنية الحقيقية:
أن ترفض أن تأخذ ما ليس لك، حتى لو استطعت.
وأن تعطي غيرك حقه، حتى لو لم يكن هناك من يراقبك.
وأن تؤدي عملك بإتقان، حتى عندما لا يراك مديرك.
وأن ترفض الواسطة حين تكون على حساب مستحق.
وأن تستخدم صلاحيتك لتفتح بابًا بالحق، لا لتغلقه في وجه من لا يملك واسطة.
هناك سعوديون ليسوا معنا في هذا اليوم؛ أخذتهم الدراسة أو العمل إلى خارج الوطن، لكنهم يحملون اسمه معهم، ويرفعون صورته بأدائهم وعلمهم وإنجازهم.
وهناك من يخدم الوطن في صمت، لا يملك وقتًا للإحتفال أصلًا؛ جندي يقف على حدوده، وطبيب يؤدي واجبه، ومعلم يصنع أثرًا في جيل، وموظف يؤدي أمانته، وعامل يبدأ يومه قبل أن يبدأ الناس احتفالهم.
هؤلاء جميعًا يقولون لنا إن الوطن لا يُخدم بطريقة واحدة.
ولا تعارض بين أن نفرح ونحتفل ونُظهر محبتنا، وبين أن نراجع أنفسنا. بل ربما يكون الإحتفال الحقيقي فرصةً لننظر إلى المرآة الوطنية داخلنا، لا إلى الشوارع من حولنا فقط.
هذا الوطن قدم الكثير، وما زال يقدم الكثير، وقادتنا، بفضل الله، قادرون على تقديم المزيد. لكن رد الجميل لا يكون دائمًا بشيءٍ يُرى أو يُصوَّر.
أحيانًا يكون رد الجميل أن تنجز معاملة إنسان دون أن تؤخرها.
أن تنصف موظفًا لا يملك صوتًا قويًا.
أن تعطي الفرصة لمستحقٍ لم تعرفه، بدل أن تعطيها لمن تعرفه.
أن تحفظ مالًا عامًا وكأنه مالك الخاص.
أن تقول الحقيقة في مكانٍ قد يكون الصمت فيه أسهل.
رد الجميل للوطن ليس فاتورة مالية ندفعها، بل أخلاق نعيشها.
ونحن لا نريد أن تكون النزاهة مجرد جهةٍ نحتاجها لتراقبنا؛ نريد أن يصل بنا الوعي إلى مرحلةٍ يصبح فيها الضمير هو الرقيب الأول.
نريد أن يشعر كل مسؤول أن المنصب الذي مُنح له ليس امتيازًا شخصيًا، وإنما ثقةٌ ستُسأل عنها الأمانة قبل أن يُسأل عنها النظام.
ونريد أن يدخل أبناؤنا الفرص بقدراتهم، لا بأسماء من يعرفونهم، وأن يفهم كل أبٍ وأمٍ أن مستقبل ابنهم لا ينبغي أن يُبنى على إسقاط حق ابنٍ آخر.
نريد أفكارًا تُطرح ثم تجد طريقها إلى التنفيذ، لا أن تبقى حبيسة الأوراق. ونريد أن يكون اختلافنا في الرأي بابًا للتطوير، لا سببًا للإقصاء. ونريد أن يصبح السؤال عن «من يستحق؟» أهم من السؤال عن «من نعرف؟».
هذه هي الوطنية التي أؤمن أنها أعمق من المظاهر:
أن يكون بيننا من يملك القدرة على أن يظلم ولا يظلم.
ومن يستطيع أن يأخذ ولا يأخذ.
ومن يستطيع أن يتجاوز النظام ولا يتجاوزه.
ومن يملك القرار فيجعله عدلًا، لا امتيازًا.
فالوطنية الحقيقية تظهر في اللحظة التي لا يراك فيها أحد.
حينها فقط نعرف: هل نحن نحب الوطن لأنه وطننا، أم أننا نحبه لأننا نريد أن نكون جديرين به؟
فلنحتفل، نعم… ولنفرح، نعم…
ولنرفع العلم، ولنردد كلماتنا التي نحبها.
لكن لنجعل خلف كل مظهرٍ من مظاهر الفرح عملًا يصدقه، وخلف كل شعارٍ سلوكًا يحمي معناه، موخلف كل كلمة «وطن» ضميرًا يعرف أن الوطن ليس ما نأخذه منه فقط، بل ما نتركه فيه بعد أن نرحل.
فأجمل ما يمكن أن نقدمه لوطننا في يومه، ألا نسأله فقط:
ماذا قدمت لنا؟
بل أن نسأل أنفسنا أولًا:
ماذا قدمنا له… حين كان بإمكاننا أن نقدم؟
⸻
نبض قلب سعودية
الحمد لله أولًا وآخرًا، حمدًا يليق بنعمه التي لا تُعد، على وطنٍ منّ الله عليه بالأمن والأمان والإستقرار، وعلى أرضٍ نعيش فيها مطمئنين، ونحمل اسمها بفخر أينما كنا.
ثم الحمد لله على قيادةٍ جعلت خدمة الوطن مسؤولية، وجعلت الطموح طريقًا، والمستقبل غايةً، وعلى قادةٍ نرجو لهم من الله التوفيق والسداد، وأن يعينهم على حمل الأمانة، ويكتب لهم الخير في كل خطوةٍ تخدم هذا الوطن وأبناءه.
وفي مقدمة هذه المرحلة، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بما تمثله المرحلة من طموحٍ وتطلعاتٍ نحو المستقبل، ويبقى دورنا نحن أن نكون على قدر هذا الوطن؛ بالعمل، والإخلاص، والنزاهة، وحفظ الأمانة.
فالوطن لا يصنعه قائدٌ وحده، ولا تبنيه حكومةٌ وحدها؛ بل يلتقي فيه طموح القيادة مع إخلاص المواطن، ويصبح الإنجاز مسؤوليةً يشترك فيها الجميع.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وحفظ قيادتها، وأدام عليها أمنها وأمانها، وجعلنا ممن يردون الجميل بالعمل، ويحملون اسم السعودية .
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)



.jpg)
.jpg)

.jpg)



.jpg)
.jpg)
.jpg)


.jpg)
















.jpg)




