صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 2 ساعة 0 9 0
ثلاثون عامًا من عمري… لم تكن كما ظننت .
ثلاثون عامًا من عمري… لم تكن كما ظننت . إستمع للمحتوى

 

 

الكاتبة - مريم سليمان الجهني .


 

كان داخلي عالم مليء بالأحلام الجميلة، وزعتُ المهم على مراحل وكانت مراحل شتى ، وتنمو أحلامي داخلي تتغذى من دمي وتكبر في مخيلتي وكأنها تخصني وحدي ولا يحق لأحد أن يحلم معي أو شبيه بحلمي.

 

وفي كل مرة أقصد مكانه ليطمئن عليه قلبي ويدفأ من برد السراب، كان ينظر بينه وبين واقعي وأمد حبل الوصل بينهما وكأنهما أخوين لا ينفصلان أبداً. عشت ونمت واستيقظت وحلمي بين أكنـافي، أربت على كتفه أخاف أن يشعر بالوحدة أو الخوف من أن لا يصبح حقيقة.

 

إنها حلم الحب الصادق، طالما خفت عليه، ربّيته في رحمي كنطفة حب، غذّيته من صفاء دم الوفاء ومزجته بصادق العهد ألا أخون ذلك الحلم. حلمي الذي تحقق من دعائي مع قطرات المطر، وقلبي يبتهل أن يستجيب لي ويجتمع حلمي مع واقع حياتي. عشت مديد من العمر بين حلم تحقق ويقين العيش به.

 

لكنني صحوت متأخرة…

لم يكن حلمًا، بل كان كابوسًا خفيًا في جلباب مستعار يُسمى حلم.

 

استيقظت على صرخة وحش خرج من جسد حلم، كابوس تلبّس زمن في صورة حلم راودني سنين أن أشيخ به وأن أعيش عليه، أستنشق رائحته كل صباح مع فجر يتجدد فيه وهمي.

 

وهنا لم تكن الصحوة دفعة واحدة… بل كانت انكشافًا بطيئًا من زوايا البيت.

 

وكنت أظن أن كل زوايا بيتي تحمل حلمًا يختلف عن أخيه، حتى بدأت رحلة الإنكشاف من زوايا البيت، ببطءٍ يشبه الإستيقاظ من الحلم دون أن أشعر.

 

تبدلت الزوايا تدريجيًا، وكأن كل ركن يسحبني من وهمٍ كنت أظنه حقيقة، حتى بدأت أستيقظ من الحلم على مراحل، لا دفعة واحدة بل كأن الحقيقة تُفتح من كل زاوية بصمتٍ مؤلم.

 

في زاويةٍ بدأت أولى شكوكي، وفي أخرى شعرت أنني بين حلم ويقظة، وفي زاوية ثالثة بدأ الإنكشاف الحقيقي، حتى أدركت أنني كنت أعيش ثلاثين عامًا داخل حلم لم يكن بريئًا كما ظننته، بل كان يحمل في داخله خديعةً تنتظر لحظة سقوطها فقط.

 

 الكابوس كان يتقن تمثيل دور الحلم ببراعة مرعبة.

 

كان يختبئ خلف الكلمات الجميلة،

وخلف هيئة المُحب،

وخلف طمأنينةٍ مزيفة أتقن صناعتها حتى صدّقتها روحي قبل عيني.

 

كابوسٌ اخترع الأكاذيب بوجهٍ مطمئن،

ورسم الخيانة بأبشع صورها،

وأخفى القبح طويلًا تحت ملامحٍ كنت أراها وطنًا.

 

تمكن مني بمهارة،

سرق عمري وأحلامي بهدوءٍ خادع،

وكان يتقن الإنسلاخ من هيئة المحب بسرعةٍ مخيفة،

حتى بدأ وكأنه لا يملك وجهًا حقيقيًا،

بل ألف وجهٍ للخداع،

وألف قناعٍ للنجاة من انكشافه.

 

وحين ظننتُ أن الكابوس بلغ أقصى قبحه،

اكتشفت أنه كان قادرًا أن يلتقي بما هو أقذر منه روحًا وأكثر ظلمةً منه خُلقًا،

فاجتمع السواد بالسواد،

وتكاثرت الوجوه حتى لم أعد أميز أين يبدأ الخداع وأين ينتهي.

 

وهناك التقى الكابوس بوجهٍ عابسٍ يرافقه، يشبهه في القسوة والخذلان، لا يشبهني ولا يشبه صدقي في حلمي.

 

وكانت أكاذيبي خوفًا على الحلم من عتمة الفراق، بينما أكاذيبه كانت للحفاظ على خديعةٍ واستغفالٍ متعمّد وإبقاء الوهم قائمًا.

 

لكن الحقيقة انكشفت…

لم يكن إلا واقعًا خدعني زمنًا، كابوسًا اخترع الأكاذيب وصوّر الخداع في أبشع صوره، وتمكن أن يخدعني عمرًا كاملًا، يسلب حياتي وأحلامي بتمثيل ماهر، يتقمص دور المُحب ولا يتجرد من الحلم إلا ليظهر وجهه الحقيقي.

 

وسلبَ منا الإيمان بوجود حلمٍ صادق لا يتنكر، وزرع فينا الشك حتى في يقيننا، فلم نعد نثق بالصادق حين يظهر، ولا بالحلم حين يقترب، بل نُزعت منا ثقتنا بأنفسنا أولًا… حتى أصبحنا نشك في حدسنا، وفي بوصلة أرواحنا، وفي قدرتنا على تمييز النور من العتمة، أو التفريق بين حلم منامِنا وكابوس حياتنا.

 

حتى ثمرات الثلاثين بدأتُ أشك بها، أخافها، لا أشعر معها بالأمان، فهي نُسجت من دمك، وترعرعت بين يديك، يحمل داخلها في تركيبتها مزيجًا مختلطًا بين وفاء وخداع، بين طرفينا، جعلتنِي نسخة مُهدَرة الطاقة، مُثقلة بخوفٍ داخلي يعيش يومي وأمسي.

 

نزعتَ ثقتي بالأرض، حتى صرتُ أخشى أن تبتلعني في أي لحظة دون سابق إنذار، وكأنها تتهيأ لزلزالٍ يجعلني أهرب إلى المرتفعات.

 

نزعتَ الأمان حتى من الذين أنجبتهم من داخلي، فلم أعد أثق بهم، ولا أستطيع أن أستند عليهم، أخاف السقوط مرة أخرى، فجسدي ما زال يعاني ألم السقوط حتى هذه اللحظة .

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق