صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 2 ساعة و 1 دقيقة 0 9 0
طائرة بحجم وطن
طائرة بحجم وطن
طائرة بحجم وطن

الدمام ـ علي العبدالكريم 

صحيفة أضاءات الشرقية 

 

محمد التركي 

الحوادث القاسية، عادة ما يبزغ من خلالها أسماء تتمجد من قاع الحدث، وعادة لا تكون هذه الأسماء مجرد أسماء، بل يكون وراء كل منها رسالة. نعم، هذا ما حدث عندما أُعلِنت أسماء المواطنين السعوديين الذين فقدوا حياتهم إثر سقوط المروحية التابعة لشركة ارامكو السعودية عقب عودتهم من أعمالهم صباح الأمس. ومثلت القائمة ليست فقط سجل للراحلين، بل كانت لوحة تجمع الوطن وأطيافه في إطار واحد.

‏للوهلة الأولى؛ بدت الأسماء كغيرها من الأسماء، لكن عند تأملها ترى وطناً كاملاً. ضمت قائمة الشهداء أسماء لمواطنين من مناطق مختلفة، وانتمت لقبائل متعددة، وعكست تنوعاً مذهبياً واجتماعياً يعرفه كل من يعيش في المملكة. لكن الموت لم يسأل أحداً منهم عن منطقته، ولا عن قبيلته، ولا عن مذهبه. جميعهم واجهوا مصيراً واحد، كما جمعهم قبل ذلك شرف خدمة وطن واحد.

‏ولعل أجمل ما كشفت عنه هذه الحادثة أن الهوية الوطنية ليست شعاراً يرفع في المناسبات فحسب، بل حقيقة تتجلى في المواقف الكبرى. فعندما يقع المصاب، لا يبحث الناس عن أسماء المناطق أو القبائل، وإنما يرون أبناء وطن واحد، يتشاركون فيه العزاء والمواساة. فالمصائب لا تسأل عن الانتماءات الصغيرة، ولا تفرق بين لهجة ولهجة، أو بين قبيلة ومنطقة. إنها تخاطب الانسان قبل كل شيء، وتوقظ في المجتمع احساسه الفطري بأن أبناء الوطن، مهما تنوعت جذورهم، ينتمون إلى شجرة واحدة.

‏لهذا جاءت تلك الأسماء تحمل رسالة لم يكتبها أصحابها لكنها كُتِبت بهم، رسالة تقول إن الوطن لا يقاس بمدنه وحدوده بل بقدرته على جمع المختلفين في هوية واحدة، وفي مسؤولية واحدة، وفي مصير واحد. فلا ينبغي أن نكشف وحدتنا فقط عندما نفقد أبناءنا، ولا أن نستشعر قيمة التنوع إلا عندما نقرأ أسماء الراحلين، فالوطن الذي يعمل أبناؤه معاً، يحلمون معاً، ويواجهون المخاطر معاً، يستحق أن تصان وحدته كل يوم، لا في المصائب وحدها.

‏فالوطن لا يصبح وطناً لأن أبناءه يتشابهون، بل لأنه يتسع لاختلافاتهم. فالتشابه لا يحتاج إلى وطن، أما التنوع فلا يحيا إلا في ظل وطن عادل، يساوي بين أبنائه في الكرامة والحقوق والواجبات. إن الأوطان العظيمة لا تقاس بعدد سكانها ولا باتساع جغرافيتها، وإنما بقدرتها على تحويل التنوع إلى وحدة، والاختلاف إلى تكامل، والمصير الفردي إلى قصة وطنية مشتركة. وما لم تستطع آلاف الكلمات والخطب أن تقوله عن الوحدة الوطنية، قالته تلك الأسماء في صمتها؛ صحيح أنها أسماء جاءت من أنحائه، لكنها خطت جملة واحدة، تقول: هكذا هو الوطن.
‏نعم، وهو كذلك وطني السعودية.

‏رحم الله شهداءنا جميعاً، وألهم ذويهم الصبر والسلوان. ولعل مواساتنا هذه هي العزاء الأكبر أن أسماءهم أصبحت تذكيراً بدرسٍ عظيم لا ننساه، يختزل معناه في كون الوطن هو ذلك المكان الذي يتسع للجميع، ويحتضن الجميع، ويبقى أكبر من كل تصنيف، وأبقى من كل اختلاف.

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
أخبار محلية

محرر المحتوى

علي العبدالكريم
محرر ومصور صحفي
مدير التحرير بالمنطقة الشرقية رئيس القسم الرياضي حاصل على العضويه الصحفية بصحيفة شبكة نادي الصحافة و صحيفة اضاءات الشرقية السعودية ومسؤول العلاقات العامة والتسويق بالمنطقة الشرقية عضو في نادي الإعلام الحديث عضو في جمعية إعلاميون وعضو في إعلاميو الوطن

شارك وارسل تعليق

أخبار مشابهة