صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 6 ساعة و 4 دقيقة 0 12 0
(فن النجاة في عالمٍ صاخب )
(فن النجاة في عالمٍ صاخب ) إستمع للمحتوى

 

الكاتبة - هويدا الشوا .


 

لم أعد أرغب في خوض المعارك، ولا حتى في الإنتصار. هناك مرحلة يصل إليها الإنسان، يدرك فيها أن السلام الداخلي أثمن من أي فوز، وأن بعض الإنتصارات لا تستحق ما نخسره من أرواحنا في سبيلها.

 

أهرب من نفسي، فأجد ضجيج المدينة يسبقني. أصواتها لا تسكن الشوارع وحدها، بل تستوطن رأسي، وتلتف حول عنقي كحبلٍ تنسجه الأفكار الثقيلة. أبحث عن لحظة صمت، فلا أجد سوى المزيد من الضجيج.

 

كم تمنيت لو أن للحياة زرًا يُطفئ كل هذا التعب، أو لو أن الأشياء التي تؤلمنا تعرف طريق الرحيل من تلقاء نفسها. لكن الحقيقة المؤلمة أن بعض الأوجاع لا تغادر، فنضطر نحن إلى مغادرتها، أو نتعلم كيف نعيش رغم وجودها.

 

سيخذلك كثيرون، وربما ينكسر في عينيك خمسون ألف شخص، لكن يبقى في داخلك خمسون ألف سبب يدعوك للإستمرار. فالحياة لا تُكافئ الأقوى دائمًا، بل تُنصف من يعرف كيف يحمي قلبه، وكيف يمنح الأشياء قدرًا من الإهتمام يليق بحجمها، لا أكثر.

 

تعلمت أن الخسارة الأولى تُوجع، والثانية تُعلّم، والثالثة تُعرّفك بنفسك، أما الرابعة فلا تترك فيك إلا إنسانًا مختلفًا؛ أقل اندفاعًا، وأكثر هدوءًا، وأشد إدراكًا بأن كل ما يرحل لم يكن يستحق أن يأخذ معه سلامك.

 

عندها فقط تفهم أن اللامبالاة ليست برودًا، وليست موتًا للمشاعر، بل نضجٌ يولد بعد سلسلة طويلة من الخيبات. هي أن تختار نفسك، وأن تحمي قلبك من الإستنزاف، وألا تسمح لأحد أن يسرق منك طمأنينتك.

 

فالنجاة في هذا العالم لا تكون بالقوة وحدها، بل بمعرفة ما يستحق أن نقاتل من أجله، وما يستحق أن نتركه يمضي دون أن نلتفت إليه. فليست كل معركة تستحق أن تُخاض، وليست كل خسارة تستحق أن نبكيها، وأحيانًا يكون أعظم انتصار هو أن تغادر الضجيج. وتمضي بسلام..

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق