صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 1 ساعة 0 7 0
مصباح الروح .
مصباح الروح . إستمع للمحتوى

 

الكاتبة - سميرة عبدالهادي .


 

يغفو الضوءُ على حافةِ النافذة، ثم يبدأُ الحبرُ في البكاءِ من بين أصابعي لا ككتابةٍ بل كنزيفٍ قديمٍ وجد أخيراً طريقه للخروج، أعزفُ الوحدةَ على وترٍ مقطوع ويردُّ عليَّ الصدى بصوتٍ لا يشبهني...

كلُّ شيءٍ هنا يحفظُ شيئاً، الجدارُ يحفظُ ظلَّ يدٍ مرّت ولم تعد، والغبارُ يحفظُ وقعَ خطوةٍ أخيرة، ذلك الكرسيُّ الفارغُ لا يزال دافئاً بذكرى من جلس عليه طويلاً حتى نسي كيف ينهض ،

 الزاويةُ صامتةٌ تهمسُ بما لا يُقال، وعندما تقتربُ أكثر ستسمعُ حفيفَ ما كُتِم. آهاتٌ علّقها الهواءُ ولم تسقط، وتنهيدةٌ أخيرةٌ لا تزال معلّقةً في سقفِ الغرفة كأنّ المكانَ شهقَ مرةً ثم نسي أن يزفر. تتنهدُ الستائرُ مع كلِّ نسمةٍ عابرةٍ ترتجفُ كمن يخافُ أن يُلمَس، وتنفضُ عنها عتمةَ السنين فيطيرُ الغبارُ خفيفاً ويعانقُ دخانَ الذكرياتِ المتصاعد من قلبٍ باردٍ كمدفأةٍ مطفأةٍ يرسمان معاً وجهاً حاولتُ نسيانه.لا أحدَ هنا، ومع ذلك فالغرفةُ مزدحمة، الساعةُ لا تدور، هي فقط تُمارسُ عادةَ الإنتظار، والعقربان متعبان من الدوران حول لا شيء، الورقةُ أمامي ليست فارغةً بل ممتلئةٌ بالخوف من الإعتراف، والقلمُ ليس ثقيلاً بالحبر بل ثقيلٌ بما لم أجرؤ على كتابته.

نحن لا نسكنُ البيوت، هي التي تسكننا، تزرعُ شقوقَها في صدورنا، وتعلقُ ستائرَها على أرواحنا، نمرُّ بها كغرباء، لكنها تعرفُ أسماءنا القديمة، تعرفُ الوجوهَ التي خلّفناها وراء الباب.

في الداخلِ ضجيجٌ لا يُسمع، هو اصطدامُ الكلماتِ التي لم تُقَال ، نمشي في الممرِّ ذاته كلَّ يوم، لا لنصل بل لنعودَ إلى نفسِ الشعورِ الذي لا نعرفُ كيف نسمّيه، حولنا ملامحُ بلا وجوه وأسماءُ بلا أصحاب، كلُّ شيءٍ يذوبُ في سؤالٍ واحدٍ: أين نضعُ كلَّ هذا الثقلِ الذي نحمله داخلنا؟ السماءُ الليلةَ ليست بعيدة،

هي قريبةٌ جداً تكادُ تدخلُ من النافذة لتضعَ غيمةً صغيرةً في صدري، فتمطرُ في داخلي صمتاً طويلاً، فالصمتُ ليس فراغاً بل ازدحامُ شعورٍ لم يجد لغةً تعبّر عنه. حاولتُ أن أتذكرَ لونَ الضحكة، لونَ الطمأنينة، لكنَّ الألوانَ هربت، لأنَّ العينَ التي اعتادت العتمةَ نسيت كيف ترى النور، ومع ذلك من بين كلِّ هذا الركامِ في داخلي، ينشقُّ شقٌّ صغيرٌ جداً لا يكادُ يُرى، يتسللُ منه خيطُ ضوءٍ باهتٍ، لا يكفي ليُنيرَ الغرفة لكنه يكفي ليقولَ لي: إنَّ الظلامَ ليس هو البيت، بل مجردُ ضيفٍ ثقيلٍ تأخرَ في الرحيل.

هناك في آخرِ الروحِ، مصباحٌ صغيرٌ لم ينطفئ بعد، لا يزال يحرسُ كتاباً قديماً، وحلماً مؤجلاً، واسماً لم أنسَه.

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق