من الحطام إلى الحياة: رحلة مريم في البحث عن المفقود وإعادة بناء ما تهدم
بقلم: د. آمنة إبراهيم عثمان
عندما هدأت أصوات الرصاص، وسكنت القذائف، لم يكن ذلك إعلانًا للسلام بقدر ما كان صمتًا مخيفًا يلف الخرطوم. لم تصدق مريم أن الوقت قد حان للعودة، لكنها كانت تعلم أن الحياة لا تنتظر أحدًا. بعد أن تمكنت من تأمين مصدر دخل في شرق السودان، ومع شعور الاستقرار البسيط الذي وفرته لنفسها ولأطفالها، وجدت قلبها يهمس باسم واحد: الخرطوم. هل ما زال بيتها قائمًا؟ هل سيعود زوجها يومًا؟ هل عائلتها بخير؟
رحلة العودة: بين الأطلال والذكريات
جمعت كل ما استطاعت من مدخرات، اشترت ما يلزم من معدات خياطة وأقمشة، وأخذت أطفالها في رحلة العودة إلى المدينة التي تركتها هربًا. لكنها لم تكن المدينة نفسها. الخرطوم التي عادت إليها كانت مدينة أشباح، البيوت مهجورة أو محطمة، والشوارع التي كانت تعج بالحياة تحولت إلى أطلال صامتة.
عندما وصلت إلى الحي الذي كان منزلها فيه، توقف قلبها للحظات. البيت كان لا يزال واقفًا، لكنه لم يكن كما تركته. النوافذ مكسورة، الأبواب مخلعة، وأثاثها مبعثر كما لو أن الريح مرت داخله. دخلت بتردد، كمن يخشى أن يجد الحقيقة أسوأ مما توقع. لم يكن هناك شيء ذو قيمة، لكن الجدران كانت تتحدث. رائحة الذكريات لا تزال هنا، رغم الخراب.
قررت ألا تنتحب على ما فقدت، بل أن تبدأ في البناء.
البحث عن الأحبة: الأمل وسط الخراب
أول ما فعلته مريم بعد تنظيف المنزل وترميمه جزئيًا هو البحث عن زوجها. طرقت أبواب المستشفيات، تجولت في معسكرات النازحين، سألت كل من صادفته، لكن لا أحد كان يعرف شيئًا عنه. أحيانًا كانت تلتقي بأشخاص يقولون إنهم رأوه في الأيام الأولى للحرب، لكنه كان مصابًا، وربما نُقل إلى مكان آخر. لم يكن بوسعها سوى الانتظار والبحث في آنٍ واحد.
أما أهلها، فقد وجدت بعضهم قد نزح إلى قرى بعيدة، وآخرين لم تلتقِ بهم بعد. لكن الأمل عاد عندما وجدت أخاها الأصغر، الذي تفرق عنهم يوم الهروب. كان منهكًا، شاحبًا، لكنه حي، وهذا كان كافيًا.
إعادة البناء: مريم تقف من جديد
عادت مريم إلى مهنتها التي أنقذتها من قبل. هذه المرة، لم تكن تصنع الملابس فقط، بل كانت تخيط جراحها مع كل قطعة قماش تمر تحت يديها. استخدمت جزءًا من المال الذي ادخرته في فتح ورشة خياطة صغيرة داخل منزلها، وبدأت النساء في الحي يأتين إليها، ليس فقط للخياطة، بل للحكايات، للمواساة، ولإعادة الشعور بالحياة وسط الرماد.
سمعت عن جمعيات تدعم النساء لإعادة بناء حياتهن، فتقدمت بطلب للحصول على تمويل بسيط، استخدمته في توسيع عملها. شيئًا فشيئًا، أصبح لديها زبائن من أحياء أخرى، وبدأت في بيع منتجاتها عبر الإنترنت.
اللحظة التي غيرت كل شيء
ذات مساء، وبينما كانت تغلق ورشتها، رن هاتفها برقم غريب. على الطرف الآخر، صوت متعب، لكنه مألوف:
"مريم؟"
لم تصدق أذنيها. كان صوت زوجها، لكنه كان ضعيفًا، بعيدًا وكأنه يأتي من عالم آخر. لم تكن الكلمات واضحة، لكنه أخبرها بأنه في مدينة أخرى، في مستشفى ميداني، وقد أمضى شهورًا بين الحياة والموت. لم تستطع أن تفعل شيئًا سوى البكاء.
إعادة لمّ الشمل: مريم تبدأ من جديد
بعد أيام قليلة، سافرت إليه، وجدته متغيرًا، نحيلًا، لكن عينيه لا تزالا تحملان نفس اللمعة التي تعرفها. عادا معًا إلى الخرطوم، إلى منزلهما الذي لم يعد كما كان، لكنه كان كافيًا ليبدأوا من جديد.
لم تعد مريم تلك المرأة التي فرت مذعورة يوم الحرب، لم تعد حتى الخياطة البسيطة التي تبحث عن رزق يومها. أصبحت امرأة واجهت الحرب، الفقد، النزوح، والخوف، وخرجت أقوى، أكثر تصميمًا على أن تصنع حياة لا تهدمها حرب أخرى.
اليوم، تدير ورشتها الخاصة، تدرب نساء أخريات، وتعلم أطفالها أن الحياة تُبنى، حتى لو سقطت ألف مرة. لأن الحروب قد تأخذ الأوطان، لكنها لا تأخذ الروح التي تقاتل للبقاء.
بقلم: د. آمنة إبراهيم عثمان
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية