المسؤولية المجتمعية… من الجذور النبوية إلى رؤية المملكة 2030
كتبه الكوتش/ عبدالله بن محمد عبدالهادي بخاري
تمهيد بمثال حيّ واقعي:
في بداية الحديث عن المسؤولية المجتمعية، تبرز أمامنا نماذج مشرّفة تُجسد هذا المفهوم على أرض الواقع، ومن أبرزها:
“مجموعة خدمة المجتمع” في صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية، التي تمثل أنموذجًا عمليًا حيًّا لممارسة الإعلام المسؤول، فهي تسلط الضوء على المبادرات الخيرية، وتُعلي من قيمة التطوع، وتخدم قضايا المجتمع بنزاهة وإنصاف، بعيدًا عن الإثارة أو المكاسب التجارية فقط.
إن هذا النموذج يُلخص فكرة المسؤولية المجتمعية بشكل حقيقي، فهو يؤكد أن الإعلام حين يرتبط بقيم الخير والتنمية، فإنه يصبح أداة لصناعة الوعي وبناء الأثر.
مقدمة:
في زمن تتعاظم فيه التحديات البيئية والاقتصادية والاجتماعية، أصبح لزامًا على الأفراد والمؤسسات أن لا يكتفوا بأداء أدوارهم المحددة فقط، بل أن يسهموا بشكل فعّال في خدمة مجتمعاتهم.
ومن هذا المنطلق برز مفهوم المسؤولية المجتمعية، بوصفه ممارسة إنسانية وواعية، تهدف إلى تحقيق التوازن بين المصالح الخاصة والخير العام، وهو ليس بجديد في ثقافتنا الإسلامية، بل له جذور ضاربة في أعماق التاريخ، وعلى رأسها ما أسسه نبي الأمة محمد ﷺ.
⸻
تعريف المسؤولية المجتمعية:
المسؤولية المجتمعية هي التزام أخلاقي وطوعي يتحمله الفرد أو المؤسسة تجاه المجتمع الذي يعيش فيه، من خلال مبادرات وبرامج تسهم في تنميته، وتحقيق رفاهيته، والارتقاء بمستوى جودة الحياة فيه، دون انتظار لمقابل مادي مباشر.
⸻
هل كان لهذا المفهوم اسم آخر؟
نعم، فقد عُرف بمسميات مختلفة على مر العصور، مثل:
التكافل – البر – الإحسان – التعاون – خدمة المجتمع – الرعاية – الإنفاق – الواجب الاجتماعي.
وكلها مفاهيم تدور في فلك المسؤولية تجاه الإنسان والبيئة والمصلحة العامة.
⸻
الخلفية التاريخية للمفهوم:
عبر التاريخ الإنساني، وُجدت ممارسات تشبه المسؤولية المجتمعية في المجتمعات القبلية والحضارات الكبرى، لكنها كانت في الأغلب محدودة الطبقة أو مرتبطة بالسلطة والنفوذ، دون إطار أخلاقي شامل.
مع بروز الديانات السماوية، بدأت هذه المسؤولية تأخذ طابعًا روحيًا وإنسانيًا أعمق، حتى جاءت الشريعة الإسلامية فوضعت لها أسسًا واضحة وعملية.
⸻
المسؤولية المجتمعية في العصر النبوي:
في حياة النبي محمد ﷺ نجد تطبيقًا متكاملاً لمفهوم المسؤولية المجتمعية من خلال:
• الزكاة: نظام مالي يُفرض على الأغنياء لصالح الفقراء.
• الصدقات والأوقاف: وسائل مستدامة لرعاية المحتاجين وخدمة العلم.
• المسجد: مركز ديني واجتماعي وتربوي وثقافي.
• السوق الإسلامي: نُظّم لضمان العدالة ومنع الاحتكار والغش.
• الأحاديث النبوية: مليئة بتأكيدات المسؤولية، كحديث “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”.
لقد تأسس في المدينة المنورة أول نموذج حضاري تطبيقي للمسؤولية المجتمعية الشاملة، ربط بين الفرد والدولة، والدين بالحياة، والمسؤولية بالمكانة.
⸻
متى ظهر المصطلح ولماذا الآن؟
ظهر المصطلح بصيغته الحديثة في الغرب خلال الأربعينيات من القرن العشرين، كاستجابة لتجاوزات الشركات الكبرى التي أهملت العامل الإنساني والبيئي.
ومع مرور الوقت، أصبحت المسؤولية المجتمعية مكونًا أساسيًا في بناء سمعة المؤسسات وتعزيز الثقة بينها وبين المجتمع، خصوصًا في ظل تصاعد وعي الأفراد بحقوقهم، وتزايد الاهتمام بقضايا الاستدامة.
⸻
لماذا ظهرت التشريعات؟
ظهرت التشريعات لتحويل المفهوم من مجرد مبادرات تطوعية، إلى التزام قانوني ومؤسسي، ولتحقيق عدد من الأهداف، منها:
• تنظيم العمل المجتمعي وضمان استدامته
• حماية الموارد والبيئة
• قياس الأثر وربطه بالتنمية الوطنية
• تعزيز الشفافية والمساءلة
⸻
دور المملكة العربية السعودية في تعزيز المسؤولية المجتمعية:
أدرجت المملكة هذا المفهوم ضمن رؤية 2030 كأحد المحاور الجوهرية، ونفذت العديد من المبادرات لتفعيله، ومنها:
• إطلاق المنصة الوطنية للمسؤولية الاجتماعية
• تأسيس جمعية المسؤولية المجتمعية
• إصدار المواصفة الوطنية SASO 2990:2022
• إعلان 23 مارس يومًا سعوديًا للمسؤولية المجتمعية
• إطلاق برامج تشجيعية للقطاع الخاص والمؤسسات الإعلامية
• ربط المسؤولية المجتمعية بأهداف التنمية المستدامة والتقييم المؤسسي
تؤكد هذه الخطوات أن المملكة لا ترى في المسؤولية المجتمعية خيارًا، بل تعتبرها مسارًا ثابتًا لبناء مجتمع قوي، مترابط، متكافل، ومستنير.
⸻
الخاتمة:
إن المسؤولية المجتمعية ليست شعارًا، ولا حملة وقتية، بل هي ثقافة وسلوك ومنهج حياة.
وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد أرست هذا المبدأ في جوهرها، فإن المرحلة الحديثة تُعيد تأكيده بلغة العصر، وعبر أدوات التنمية المستدامة.
والمملكة العربية السعودية تُعيد لهذا المفهوم تأصيله الشرعي، وإطاره المؤسسي، وأثره العملي.
فلنكن جميعًا، أفرادًا ومؤسسات، شركاء في بناء وطننا، لا بالكلام، بل بالمسؤولية والعمل.
الاثنين 23 شعبان 1446هـ – 2025/03/
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية