الكاتبة - هويدا الشوا
هناك أشياء لا تُقال، ليس لأن الكلمات تعجز عنها فحسب، بل لأن البوح بها يعني الإعتراف بوجعٍ حاولت طويلاً أن تنكره. تحمل داخلك حكاياتٍ كاملة لا يسمعها أحد، وتمضي بين الناس بوجهٍ هادئ، بينما الضجيج في روحك لا يهدأ.
كنتَ في كل مرة تُسأل فيها: “هل أنت بخير؟” تبتسم فقط، لأنك تعلم أن الإجابة الحقيقية أثقل من أن تُقال. كيف يمكن للكلمات أن تصف شعور إنسانٍ فقد أجزاءً كثيرة من نفسه وهو يحاول النجاة؟ وكيف لحديثٍ عابر أن يشرح كل تلك الليالي التي قضيتها تحارب أفكارك وحدك؟
كلُّ ما خشيت البوح به كان يكبر داخلك بصمت. الخيبات التي تجاهلتها، والإنكسارات التي ادّعيت أنها لم تؤلمك كنتَ تجمع كل ذلك في قلبك، حتى صار قلبك مُزدحماً بما لا يُحتمل.
تمشي كثيراً، لا هرباً من الطرقات، بل هرباً من نفسك. هناك تعبٌ لا يأتي من الحياة وحدها، بل من المقاومة المستمرة، من محاولة التماسك كل يوم وأنت على وشك الإنهيار.
وأكثر ما يؤلمك، أنك كلما حاولت الإقتراب من أحد لتبوح بما فيك، تراجعت في اللحظة الأخيرة. تخاف أن يُساء فهمك، أو أن يبدو حزنك عادياً في أعين الآخرين. لذلك آثرت الصمت، رغم أن الصمت كان يلتهمك ببطء.
كنتَ تعود دائماً إلى الأشياء التي كسرتك؛ إلى الوجوه ذاتها، والذكريات ذاتها، وحتى الأخطاء ذاتها. وكأنك لم تتعلم كيف تنجو بعد. وربما لأن الوجع المألوف يبدو أقل قسوة من المجهول.
ومع مرور الوقت، أدركت حقيقة لم تكن تريد الإعتراف بها: لا أحد سينقذك من نفسك ما لم تقرر أنت ذلك.
لا أحد سيشعر بكل هذا الثقل الذي تحمله، ولا أحد سيخوض معاركك الداخلية عنك.
كان عليك أن تواجه كل ما خشيت البوح به، أن تنظر إلى خوفك، وضعفك، وخساراتك دون أن تهرب.
وفي تلك المواجهة، بدأت تفهم نفسك أكثر. أدركت أن النجاة لا تعني أن تختفي الندوب، بل أن تتعلم كيف تعيش بها دون أن تهزمك.
وأن القوة ليست في ادعاء الصلابة، بل في قدرتك على الإستمرار رغم هشاشتك.
تدرك في النهاية أن الإنتصار الحقيقي لم يكن في استعادة ما فقدته، بل في نجاتك أنت، في بقائك حيّاً رغم كل ما حاول كسرك.
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)


.jpg)



.jpg)
.jpg)
.jpg)














.jpg)

.jpg)




