الكاتبة - مريم سليمان الجهني
رحلة حدّدها حضورٌ معيّن، وإقلاعٌ متباين.
تزاحمنا على تذاكر الحجز، كلٌّ منا يريد الإنتهاء خوفًا من التأخير.
نظرت حولي، فرأيت أناسًا كثيرين من جميع الأجناس والفئات، كلنا مشغولٌ عن الآخر، وكلُّ واحدٍ يريد الخلاص والطلوع.
عند التوجه إلى سُلَّم الطائرة، كلنا كان يخشى التأخير، والحفاظ على تذاكر العبور دون خسائر مالية.
كلنا يريد إتمام الرحلة على أحسن حال، والتمتع بها.
نظرت حولي، لا أحد يريد مساعدة الآخر، كلٌّ يريد الإطمئنان على البوردنق، والتأكد من صعوده.
صعدنا جميعًا في وقتٍ واحد، سُلَّمٌ واحدٌ ، يصفّنا واحدا تلو الآخر، صعدنا، وكلنا يحدّق برقم مقعده: أين هو؟
جميعنا نصطف بطائرةً واحدة.
تأملت، ثم سألت نفسي. مجموعةٌ من التساؤلات قطعت حبال تفكيري عن الرحلة. ماذا أفعل كل يوم؟ كيف أنظم أيامي المحددة؟ أين أذهب؟ وماذا أفعل؟
هي رحلة واضحة المعالم، الفندق معروف، والترفيه كثير، والطعام وفير، والطيران مريح.
لكن التساؤلات تتداخل داخلي، وتعلن صافرة المنبه الداخلي.
تتسارع خطواتي، وقد جهزت كل أمتعتي التي تحمل الكثير من الجديد وبعض القديم.
نمت مبكرًا، وحلمت بممر السعادة الذي دفعت مالًا لأجله، شعورٌ لا أنكر أنه أجمل من الرحلة نفسها.
شعورٌ دائم أسعى له أكثر من نزولي إلى المكان، شعورٌ مؤقت، ولكنه جميل.
حاولت أن أخفّض صوت المنبه الداخلي لأتمتع بالرحلة، لكنني أخذت بعض الهدوء المصطنع، والنسيان المؤقت، والهروب من كمٍّ هائلٍ من التيارات السائلة.
هل أنا أحرمت أمتعتي لرحلةٍ حتمًا سأرحل إليها؟
هل حقيبتي تحتوي أمتعتي؟ أمتعتي لرحلتي؟
هل الرحلة الحتمية لنا جميعًا، الرحيل الذي هو الموت، قد جهزنا لها؟
اشترينا أمتعةً سهلة، بل نقودًا، وسبحان الله، والله أكبر، وصلاةً مرتبةً بالحقائب.
هل صحا المنبه الداخلي؟
منظر التزاحم، والركض، والتوسل لموظفي المطار لعدم إغلاق الرحلة، وكلنا يحاول لنفسه فقط.
تبصرت بالمنظر وتألمت، وانتابني خوفٌ وهلع.
كيف لنا بذلك اليوم؟ ذلك الحشر المنتظر؟
وهل كلنا جهز؟ وهل كلنا يخشى التأخير وعدم العبور؟
منظرٌ مخيف، لم نحزم له أمتعة. هو يومٌ صعب المنال، لا ينال بالتمني، وإنما بالفعل الصادق.
هذه هي اللحظة، أيقظت لحظات الخوف التي أشعر بها.
أين نذهب الآن؟ ولم نخف التأخير؟ ولم نسعد برحلةٍ واضحةٍ ومؤقتة؟
نسعى جميعًا للعبور والصعود، وشعوري أنا: ماذا جهزت؟ وماذا اشتريت من تذاكر عبور الآخرة؟
هي رحلة ابتدائية تستحق التجهيز، والبذل، والعطاء، ليعود لنا نحن.
تذكرت أحد الركاب يسأل الآخر: على أي رحلةٍ أنت؟
والآخر يجهل البوابة، يركض مسرعًا، وقد أسقط من اهتمامه كلَّ شيء، لا يشغله إلا ألّا يتأخر.
تذكرت، وخفت، وارتعشت يدي، واهتزت قدماي.
كيف يوم الحشر؟ يوم يفرّ المرء من أخيه، وأمه، وأبيه.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾
إنه شعورٌ مخيف، أيقظ بصري على رؤيةٍ معدومة، وداخلي أيقظ شعور ذلك المنظر.
تأبى الرحلات الدنيوية إلا أن تستهلك الكثير، وصرف المبالغ الطائلة لنسعد أيامًا معدودة، ثم نعود نكابد المصير المجهول، ونوفر المال لرحلةٍ أخرى نستمتع بها وقتًا آخر، لننسى مشاغل الحياة.
رحلات، ركاب، أمتعة، تزاحم، شعورٌ غير مرتب، وكل الإرتباك ينتابني في هذه اللحظة.
هو شعور الخوف، ربما لعدم الإستعداد لتلك الرحلة المحتومة لنا جميعًا.
هو خوف، ثم خوف، ثم هروب.
كل ذلك لهوٌ برحلاتٍ مؤقتةٍ تنتهي، ولا ترافقنا.
رحلة الخوف… من أجل الإستعداد والتجهيز، وشراء التذاكر، والعبور بعملٍ صالح، ونقاء النفس، وصلاةٍ خاشعةٍ لا يتدخل بينها الشرود، والتفكير بماذا نفعل بعد الإنتهاء.
كأنها عادة، وليست عبادة، لكنها تجهز لنا الحقيبة الحقيقية، حقيبة الآخرة، التي لن يغني عنها المال، ولا الركض، ولا الزحام، ولا التمني.
رحلةٌ لا تُرجأ، ولا تُبدل، ولا يُهمل فيها إلا من ترك قلبه فارغًا من الخشوع والعمل الصالح.
وفي النهاية، يبقى الأمل واليقين:
اللهم اجعلنا ممن أعدّوا لرحلتك، ولم تُثقلهم الدنيا، ولم يلههم زحامها، بل حملوا قلوبهم صافية، وأعمالهم خالصة، ونورهم مشرقًا يوم يفرّ فيه المرء من كل من أحب، ووفقنا للنجاة في رحلتنا الأبدية. آمين
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)



.jpg)
.jpg)

.jpg)


.jpg)


.jpg)

.jpg)














.jpg)




