الكاتب ـ أ.د محمد احمد بصنوي .
تثبت شواهد التاريخ أن قوة الوطن لا ترتبط فقط بالكتلة الصلبة أو الترسانة الإستراتيجية، بل بالمعدن الأخلاقي لأبنائه ومدى التراحم والترابط الذي يجمع بينهم عند مواجهة التحديات والمحن، فالأزمات المتلاحقة والمخاطر التي تتهدد المنطقة ليست سوى صخرة تتحطم عليها أوهام الفتن، طالما ظل المجتمع محتفظاً بحيوية قيم الرحمة وممارستها كواقع حي يفيض بالبر والتضامن، فالله سبحانه وتعالى برحمته الواسعة يدفع البلاء ويصرف السوء عن القوم المتراحمين.
ولعل المتأمل في الواقع السعودي المعاصر يجد أن قيم الرحمة والتكافل لم تعد مجرد عواطف مستقرة في الصدور، بل تحولت إلى هندسة مجتمعية متكاملة تدعمها الأرقام الرسمية الصادرة عن أعلى الجهات الوطنية، فقد شهدت ثقافة العطاء تمكيناً غير مسبوق، إذ تُظهر البيانات الصادرة وفقاً لـ "المنصة الوطنية للعمل التطوعي" التابعة لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية قفزة استثنائية في أعداد المتطوعين والمتطوعات، ليكسر حاجز 1.75 مليون متطوع ومُتطوعة، يساهمون في تقديم ملايين الساعات التطوعية في شتى المجالات الإنسانية والصحية والتنموية، ووصلت مستويات الرضا عن الأعمال التطوعية المنفذة إلى 98%، لتتحول الفزعة التاريخية إلى سلوك مؤسسي مستدام.
وفي سياق التراحم الرقمي والتكافل المالي، تتجلى قوة التبرعات الرقمية الموثوقة وفقاً لبيانات المنصة الوطنية للعمل الخيري "إحسان" المُدارة بإشراف الهيئة السعودية للذكاء الاصطناعي (سدايا)، حيث تشير لوحة بياناتها المباشرة إلى تجاوز إجمالي التبرعات المباشرة حاجز 17.3 مليار ريال سعودي، وتخطت عمليات التبرع 463 مليون عملية تبرع آمنة وموثوقة عبر شراكة مع أكثر من 3,700 جمعية أهلية، مما أسهم في سداد ديون المعسرين، وتوفير الأجهزة الطبية، وتأمين السكن والخدمات الأساسية للأسر المتعففة في مختلف المناطق.
ولأن التكافل يحتاج إلى بنية تحتية مؤسسية تحميه، كشفت التقارير الإحصائية الصادرة وفقاً لـ "المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي" عن توسع كبير في قاعدة المؤسسات والجمعيات الأهلية والصناديق الأهلية والعائلية ليبلغ إجماليها أكثر من 8,131 منظمة غير ربحية، مما أتاح وصول الدعم بحوكمة عالية وفاعلية مشهودة، ويواكب ذلك حرص المنظومة الحكومية وفقاً لتقارير "وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية" على كفالة العيش الكريم ومساندة الفئات الأشد حاجة، حيث يستفيد أكثر من 2.2 مليون فرد وأسرة من برامج الضمان الاجتماعي المطور والبرامج المساندة لتأمين حد الكفاية وتدعيم السلام الاجتماعي، كما تسجل المؤشرات المسحية العامة وفقاً لـ "الهيئة العامة للإحصاء" ارتفاع نسبة المساهمين المباشرين في الأعمال الخيرية لتتجاوز 70% من أفراد المجتمع عبر الوسائل الرسمية والجمعيات المصرحة، مما يجعل البذل اليومي جزءاً أساسياً من
النمط الحياتي للأسرة السعودية.
ولم تقف الرحمة السعودية عند حدودها الجغرافية، بل فاضت إلى بقاع الأرض، وفقاً للبيانات الموثقة عبر "منصة المساعدات السعودية" والسجلات الرسمية لـ "مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية"، حيث تم تنفيذ أكثر من 4,457 مشروعاً إغاثياً وإنسانياً مباشر لمركز الملك سلمان بتكلفة تتجاوز 8.57 مليارات دولار في أكثر من 113 دولة، إلى جانب إجمالي المساعدات السعودية الإنسانية والتنموية العابرة للحدود التي تجاوزت حاجز 463 مليار ريال سعودي (نحو 123 مليار دولار) عبر أكثر من 9,000 مشروع في 175 دولة حول العالم، وتكتمل هذه الرحمة بالعطاء الشعبي في الاستجابة المباشرة للنوازل، كالحملات الشعبية لإغاثة الشعب الفلسطيني الشقيق ومتضرري الزلازل والفيضانات، والتي توفر الوجبات والمستلزمات الطبية والغذائية الساخنة.
وأخيراً وليس آخراً، فإن هذه الأرقام الدقيقة المصحوبة بمصادرها الرسمية الموثوقة ليست مجرد أرقام تُسجل في التقارير الإحصائية، بل هي التفسير المادي والعملي لمعنى الرحمة المستقرة في السلوك، إنها السد المنيع الذي تتحطم عليه محاولات الاختراق الخارجي والقوة الناعمة الحقيقية التي تؤمن الاستقرار الداخلي والتمكين الإلهي، فالأمم التي تجعل من إغاثة الملهوف، وعون الضعيف، وحماية كرامة الإنسان فلسفة قائمة في يومها، هي أمم عصية على الانكسار لا تهزمها المخططات ولا تنال من بنيانها المتماسك أعتى عواصف الإقليم، ومن هنا فإن الله سبحانه وتعالى يحمي هذه المملكة الشريفة ويصرف عنها الفتن والمغارم ببركة ما يفيض به الشعب السعودي من رحمة وتكافل وإخاء متجذر في الوجدان، سواء أكان ذلك فيما بين أبناء الوطن أنفسهم أو في تعاملهم النبيل مع هؤلاء الضيوف الذين حلوا في أراضيها مكرَّمين مقدرين، فصنائع المعروف والتراحم هي السبب العظيم الذي يُنزِل بركات السماء ويحفظ أمن الديار واستقرارها، لتظل المملكة بحفظ الله ورعايته منارةً للخير، وعصية على كل سوء، وتصديقاً للوعد الإلهي الخالد بأن البر والرحمة هما السبيل الأضمن لحفظ الأوطان ونصرة العباد.
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية


.jpg)



.jpg)

.jpg)





.jpg)




.jpg)









.jpg)




