صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 18 دقيقة 0 2 0
امتزاج المشاعر الأكتوبريّة .
امتزاج المشاعر الأكتوبريّة . إستمع للمحتوى

 

الكاتبة ـ مريم سليمان الجهني .


 

من الشهور التي تختلط في داخلي مشاعر العجب والاستنكار، أكتوبر؛ ذلك الشهر الذي يُعجبني فيه الهواء البارد حين يتسلّل برفق، ويسدل ستاره الخفيف حول حرارة الأيام، ثم يهمس في أذنها: أفسحي الطريق، فقد حان وقتي لأُلطّف أجواء الفجر.

 

أكتوبر لا يشبه الصيف الذي يحرق الأشياء بوضوح، ولا الشتاء الذي يأتي ببرودته القارصة دون أن يعتذر عن حضوره. إنّه فصلٌ معلّق بين حالتين؛ يُشعرنا بدفء البدايات، بينما يُخبّئ في أطرافه نذر النهايات. كأنّه يُعلّمنا أن الحكايات لا تنتهي حين نتهيّأ لرحيلها، بل حين تقرّر الأيام أن تطوي صفحاتها، وأن برودة النهايات قد تأتي حتى في أكثر اللحظات دفئًا.

 

دائمًا أحب أكتوبر؛ لأنه يُعلن اقتراب الشتاء الذي أعشقه، بلياليه وبرودته وأجوائه التي تمنح الروح شيئًا من السكينة. وأستنكره لأنه يأتي متنكّرًا خلف نسمةٍ خفيفة، توهمنا أننا على أعتاب ربيع، وتتركنا نصدّق دفئًا لا نعرف إن كان سيبقى أم أنه مجرّد استراحة قصيرة قبل انهمار البرد.

 

ولعلّ هذا ما يجعلني لا أطمئن إليه تمامًا؛ فأكتوبر متقلّب الحالات، لا يمنحك وجهًا تستقرّ عليه ملامحه، ولا وعدًا تعرف إن كان سيُتمّه. وهو في تقلّبه، ينقل صورةً لا تشبهني؛ فأنا لا تغويني البدايات إن كانت نهاياتها غريبةً عنّي، ولا أرسم ألواني على سراب، ولا يُبهرني بريقٌ من الوهلة الأولى؛ فقد يشبه الذهب والألماس، لكنه يفتقد قيمتهما.

 

أكتوبر يُشبه بعض الأشخاص الذين لا أعتاد أن يكونوا في طريقي؛ أولئك الذين يأتون بملامح الربيع، ويتركون في الروح حيرة الفصول، فلا تعرف أكانت دفأهم حقيقةً أم مجرّد طقسٍ عابر، ولا تدري أيّ وجوههم ستبقى حين تتغيّر الأجواء.

 

أحب أكتوبر لأنه يقودني إلى الشتاء، لكنني أريد الطريق إليه واضحًا؛ أريد البرد حين يأتي أن يُعلن عن نفسه، لا أن يتخفّى في دفءٍ مستعار. أعشق الشتاء حين يأتي قارصًا، لا يساوم على ملامحه، ولا يتظاهر بأنه ربيع كي يستدرج اطمئناننا. فالبرودة التي أعرفها أهون عليّ من دفءٍ لا أعرف متى ينقلب، والحقيقة التي تُواجهني بوجهها أرحم من وهمٍ يُحسن اختيار ملامحه.

 

وأحيانًا أظن أن علاقتي بأكتوبر ليست علاقة شهرٍ بفصل، بل علاقة روحٍ تتأمل الأشياء وهي تتبدّل، وتحاول أن تفهم كيف يستطيع الشيء أن يحمل نقيضه في اللحظة ذاتها؛ كيف تجتمع في نسمةٍ واحدة طمأنينةٌ توقظ القلب، وحيرةٌ تستدعي حذره. وربما لهذا أقف أمامه طويلًا، لا لأفهم تقلّبات الطقس، بل لأتأمل تلك المسافة الدقيقة بين ما نراه وما نعرفه، وبين ما نشعر به وما تكشفه الأيام.

 

فليس كل ما يتغيّر خائنًا لحقيقته، ولا كل ما يثبت عليها جديرًا بالثقة؛ لكنني تعلّمت أن التغيّر الذي لا يُصارحنا بنفسه يترك فينا حيرةً لا تشبه الدهشة، وأن الغموض حين يطول يُرهق الروح، حتى تصبح عاجزةً عن التمييز بين حدسها وخوفها. وأنا لا أريد أن أعيش في حالة ترقّب دائمة، أُفسّر فيها الصمت، وأتتبّع التحوّلات، وأبحث في كل دفءٍ عن علامةٍ تُنذر بالبرد القادم.

 

أنا أعشق الوضوح، ولا أحب الضباب، حتى في الطريق؛ لأن الضباب لا يحجب الرؤية فحسب، بل قد يوهمك أن الوجهة التي أمامك هي وجهتك، فتخطو إليها مطمئنًا، ثم تكتشف بعد مسافةٍ من التعب أنك كنت تسلك دربًا لم يكن لك. وما أكثر الطرق التي تبدو مألوفةً في بداياتها، ثم تكشف لنا النهايات أننا ابتعدنا فيها عن أنفسنا.

 

أريد الأشياء التي تمنحني حقّ رؤيتها كما هي، دون أن أستنزف روحي في محاولة اكتشاف ما تخفيه. أريد أن أمضي في طريقي دون أن أضطر إلى تأويل الملامح، أو تفسير التناقضات، أو التمسّك بصورةٍ أحببتها بينما تتبدّل حقيقتها أمامي.

 

ولعلّ النضج ليس أن نتقن التعايش مع تقلّبات الآخرين، ولا أن نتعلّم كيف نُدفئ قلوبنا كلما باغتتنا برودتهم، بل أن نعرف متى نتوقّف عن انتظار اعتدال الطقس في أرضٍ لا تعرف الاستقرار، ومتى نغادر الطريق الذي يجعلنا نشكّ في وجهتنا، مهما كانت المناظر على جانبيه فاتنة.

 

فأنا لا أخشى برودة الطريق بقدر ما أخشى أن أطمئن إلى دفئه، ثم أكتشف أنني كنت أسير في الاتجاه الخطأ؛ ولا أرفض البدايات لأنها مجهولة، بل لأنني لا أريد لبدايةٍ أن تستعير ملامح لا تخصّها، ثم تترك للنهايات مهمة كشف الحقيقة.

 

أحب أكتوبر لأنه يقترب بي من الشتاء، وأستنكره لأنه يُذكّرني بأن الإقتراب من الشيء لا يعني بالضرورة أن يشبهنا الطريق إليه.

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق