صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 5 ساعة و 2 دقيقة 0 20 0
نحن من طين… ولكن!
نحن من طين… ولكن! إستمع للمحتوى

 

الكاتبة ـ مريم سليمان الجهني .


 

نحن لا نتعلم القسوة كدرسٍ يُملى علينا، فننصت إلى شرحه، ونحفظه، ثم نؤدي ما تعلمناه؛ بل تأتينا على هيئة جرعات متفرقة، نتجرعها رشفاتٍ مع كل خذلان، حتى تتسلل إلى أعماقنا، وتمتزج بعروقنا، ونتنفسها مع كل شهيق، ونمارسها مع زفير أيامنا، دون أن نكون قد اخترناها يومًا.

 

فنحن لم نُخلق من شظايا الصخر المتفجرة، ولا من صلابة الجبال، بل جئنا من طينٍ أملس ناعم، قابل للتشكل، تترك عليه أيدي البيئة المحيطة بنا آثارها، وترسم التجارب ملامحه، حتى يغدو على الصورة التي صاغته بها الحياة.

 

فلم يُخلق السارق سارقًا، ولا المذنب مذنبًا، ولا الكافر كافرًا، ولم يولد الإنسان محمّلًا بكل ما يمارسه من قسوة؛ إنما تتشكل ملامحنا مما يحيط بنا، ومن الظروف التي نعبرها وتعبرنا، ومن التجارب التي تترك في أرواحنا ما لا تمحوه السنوات. فنحن أحيانًا نتقمص شخصيات لم تكن لنا، ونصبح أشخاصًا لم نكن نرغب في أن نكونهم، لا لشيء إلا لأننا استسلمنا لما أحاط بنا، ولم نملك القدرة على رفض الهزائم التي توالت علينا.

 

ولسنا نحن، يا رفاق، ذلك الكيان الخالص الذي نظن أننا نعرفه؛ بل نحن مزيجٌ منهم، من الذين مرّوا في أعمارنا وتركوا شيئًا من ملامحهم فينا. قد نصبح قالبًا داخل شخص، ونحمل ملامح آخر، حتى تختلط الوجوه في دواخلنا، فلا نعود نعرف أين تنتهي ذواتنا وأين تبدأ آثار الآخرين.

 

هي لم تعد هي، وإن كانت تحمل اسمها، وهو لم يعد هو، وإن احتفظ بملامحه؛ فالأسماء لا تحفظ حقيقة أصحابها، والوجوه لا تكشف دائمًا عن أصحابها. قد يسكن الإنسان جسدًا يعرفه الجميع، بينما تسكن روحه حكايات أشخاص آخرين، وتجارب لم تكن له، وخيبات أعادت تشكيله على هيئة لم يخترها.

 

وهناك قلوبٌ تصخّرت في أراضٍ قاحلة، وطأتها الأقدام سهوًا، أو ربما دُفعت إليها بأيدٍ أخرى لتعيش هناك، بعيدًا عن منابع الرحمة ومواسم الربيع. وهناك قلوبٌ تنعّمت في بيئات نبتت فيها بذور الرحمة، فسقتها المودة، وأثمرت أرواحًا رحيمة، انتثرت في دروب الحياة لتنعم المدينة بظلالها، ويطيب العيش بقربها.

 

فهم لا ينوحون على أرواحهم عبثًا، ولا تنطفئ في دواخلهم الأشياء دون سبب؛ فثمة أيدٍ خفية أسهمت في تشكيل ما أصبحوا عليه، وظروف أحاطت بهم، وأقدار ساقَتهم إلى حيث صاروا. إنها أرواح تمضي حيث تحملها الأقدار، لا تختار دائمًا مواطنها، ولا تملك أن تيسّر لنفسها الطريق الذي تشتهيه؛ فقد تجد روحٌ رحيمة نفسها في أرضٍ لا تعرف الرحمة، وقد تحمل الرياح بذرةً قاسية إلى أرضٍ لا تعرف الجفاف، فتنبت فيها على غير طبيعتها، وتُثمر شيئًا لم تألفه تربتها.

 

نحن رحماء في أصل تكويننا، لكننا قد نُجبر على القسوة، ونرتديها كأنها جلد آخر يحمينا من تكرار الألم. وما أصعب أن تتحول الرحمة في داخلنا إلى ذكرى، وأن تسكن القسوة مكانها، لا لأنها كانت يومًا جزءًا منا، بل لأن الخذلان ظل ينتزع منا شيئًا جميلًا في كل مرة، حتى تركنا غرباء عن أنفسنا.

 

فبعض القلوب لا تقسو لأنها فقدت قدرتها على الحب، بل لأنها استُنزفت طويلًا في محاولة الاحتفاظ به.

 

فنحن، في نهاية المطاف، لسنا دائمًا من نظهر عليه، بل نحن أيضًا كل ما تركه الآخرون فينا.

 

غير أن فهمنا للأسباب التي صنعت قسوة الآخرين لا يعني أن نمنح القسوة حق البقاء، ولا أن نجعل من جراحنا مبررًا لجراح جديدة. فكما ترك الآخرون آثارهم فينا، تظل لنا مساحة من الاختيار، نستطيع فيها أن نكسر ما ورثناه من ألم، وألا نعيد إنتاج القسوة التي عانينا منها. فليس كل ما شكّلنا يستحق أن نحمله معنا، وليس كل ما زرعته الحياة في أرواحنا ينبغي أن نسمح له بالإثمار.

 

ولعل أكثر ما يستحق التأمل في حكايات البشر، أننا لا نعرف أيّ الأيدي شكّلت أرواحهم، ولا أيّ الطرق دفعتهم إلى ما أصبحوا عليه. لذلك لا تتعجلوا الحكم على القلوب من قسوتها، ولا على الأرواح من عثراتها؛ فربما كان خلف كل ملامح حكاية لم تُروَ، وخلف كل قسوة رحمةٌ أُنهكت، وخلف كل روحٍ تبدو غريبة عن ذاتها إنسانٌ قديم ما زال يبحث عن الطريق الذي يعيده إليها.

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق