الكاتبة ـ مريم سليمان الجهني .
إنها تدرك جيدًا أنها تحب هذا المكان، ولذلك تزوره كثيرًا.
الجميع يعلم ذلك، لكن لا أحد يعلم شيئًا عن تلك الزهور…
التي تُصرّ في كل مرة أن تكون رفيقة رحلتها (كأنها تعرف أن بعض الطرق لا تُحتمل دون رائحةٍ تشبه القلب.)
قد يذهب في مخيلتك منظر باقة ممزوجة بزهور اللافندر والسوسن والجوري،
لكنها تحمل أزهارًا مختلفة تمامًا.
تحمل ذكرياتها، تعود بها إلى الماضي،
فتشعر كأنها نامت دهرًا وعاشت عمرًا،
ثم تستيقظ على رائحة باقة ورد بين يديها.
إنها مزيج من الفل والكادي والشذاب،
ورائحة فوّاحة تمتد من جبال عسير
حتى قمم جبال فيفا.
جدّتي…
إنني أحتاجك كثيرًا،
أحتاج نفسي ولا أجدها،
أحتاج رائحتك التي اقترنت بأزهار حديقتك الحزينة من بعدك.
الكل يتساءل:
لماذا أُصرّ على حمل الأزهار
في كل زيارة أذهبها لزوجي،
المنبطح على ظهره،
عيناه الشاحبتان تحدّقان في سقف الغرفة
دون شعور بمن حوله.
إنه يعشق العبق الجنوبي،
يعشق الأزهار التي رافقت ذاكرتي
وسكنت أركان أنفه.
أهله، رفقاؤه، إخوته…
جميعهم يتساءلون:
لماذا علياء، في كل مرة،
تجلب تلك الزهور؟
أزور يوسف،
الفاقد الوعي على سريره منذ ثماني سنوات.
ويبدو أن العبق الجنوبي بدأ يقترب من الغرفة رقم ٢٤٤.
في كل يوم أجلس إلى جانبه،
ورأسه بين كفّي،
أحاول الاقتراب أكثر.
أشعر بعويلٍ داخله بصمت،
وأخاف أن يصدر صوت
توقف قلبه (فالصمت هنا ليس هدوءًا، بل انتظارٌ طويل لا يملك شجاعة النهاية.).
يوسف لا يملك في ذاكرته سوى صوتي،
حديثي عن جدّتي،
عن طفولتي،
عن أيامي بجانبها،
وعن حبي لها.
يتذكّر كيف كنت أذهب لجدّتي وبيدي أزهارها،
وكيف ذهبت لربها ولم تعد.
يخاف يوسف أن يتكرر المشهد معه.
أنا التي قارنت حبه بحب جدّتي،
ولا أحد سواهما
يساوي محبتهما في قلبي.
جدّتي…
تلك المرأة الجنوبية
التي تمزج الفل بالريحان والكادي والشذاب
لتخضّب خصلات شعرها.
ذات الضفيرتين المخضبتين،
التي سكنت رائحة الجنوب شعرها
حتى صار العشق جزءًا منها.
لا يمكن لذاكرتي أن تنساك.
ما زلت أشمّ رائحة خضاب شعرك،
كانت تسبق خطواتك،
وتعلن حضورك قبل أن تظهري.
كنت أزور حديقتك
في فرحي وحزني.
حديقتك كانت ترسم لي ملامحك
مع بزوغ الشمس.
افتقدتك،
وحديقتك حزينة.
تتذكّر يداك
وهما ترويان جذور وردك،
وكأن الزهور شعرت بفقدك
فذبلت،
وأعلنت حدادها.
كلما ذهبت إلى حديقتك العتيقة
أسمع صوتك داخلي.
أحمل حزن الماضي
وألم الحاضر.
أنتِ ذهبتِ،
وأنا ذهبت بعدك مباشرة
إلى يوسف…
جسد بلا روح،
يشبه غيابك.
أهرب من أعين الشفقة،
وألجأ إلى حديقتك،
أسكب حزني،
وأدفن ضعفي بين رمالها.
جدّتي…
كبرت حفيدتك،
وأصبحت في الثلاثين.
بدأت أوراق قلبها تسقط،
ترويها من ماء عروقها المنهكة.
أخاف الماضي،
وأخشى الحاضر،
وأهرب من نفسي
لأجد ذاتي في طريق بلا خطوط.
اليوم،
وأنا في حديقتك،
أجمع الورد ليوسف،
لعل مرضه يرحل.
لا أريد أن أفقد
أحدًا آخر.
دخلت كأنها المرة الأولى.
استقبلتني زهورك،
وفيها حزن ممزوج بفرح.
جلست مكاني،
وكان المشهد مختلفًا،
ولا أعلم لماذا.
نسيت الوقت،
وحان موعد زيارة يوسف.
قطفت الورد،
وحملته،
وذهبت إلى المستشفى.
كانت خطواتي ثقيلة،
كأن قدميّ لا تنتميان لشخص واحد.
وقفت عند باب المستشفى،
ودعوت الله أن يفرح قلبي بسلامته.
ارتجفت يدي،
ورقص الورد بين أصابعي.
مشيت حتى وصلت إلى غرفته،
وشعور غريب يسبقني.
دخلت…
ولم أرد الالتفات.
لكن نظري
خانني.
يوسف
لم يكن على السرير.
سبق حزني واقعي.
قرأت الإجابة
في عيني الممرضة
دون سؤال.
سقطت باقتي،
ولم تسقط دموعي.
جلست على سريره،
وأدركت الفقد من جديد.
جدّتي…
حفيدتك أرملة في الثلاثين.
ذهبت إلى حديقتك،
وضممت أزهارك إلى صدري.
وداعًا جدّتي،
وداعًا زوجي يوسف.
سأعتني بحديقتك،
وأدفن أحزاني في رمالها.
وداعًا .
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية


.jpg)


.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)




.jpg)
.jpg)


.jpg)











.jpg)

.jpg)




