الكاتبة - مريم سليمان الجهني .
يُثير العجب في هذا الزمن أن يتداول البعض، وبشيء من الجدية، وصف الكلاب بأنها “أوفى من الإنسان”، وكأن الوفاء صفة تُقاس بالمرافقة أو العاطفة الغريزية، لا بالعقل والوعي والإلتزام وتحمل المسؤولية. وهذا فهم لا يستقيم ؛ فالوفاء قيمة إنسانية عُليا مرتبطة بالضمير والإختيار وحفظ العهد.
فالإنسان الذي كرّمه الله بالعقل والإدراك والمحاسبة هو وحده القادر على حمل هذه القيمة بمعناها الحقيقي، أما الحيوان فهو مخلوق يسير وفق غريزته التي فطره الله عليها ، يؤدي وظيفته دون تكليف أو إدراك للمعاني الأخلاقية التي تُبنى عليها القيم الإنسانية. ومن هنا فإن إسقاط صفات إنسانية عليه وتجريد الإنسان منها يُعد خلطًا في المفاهيم ومبالغة تُضعف إدراك مكانة كل مخلوق وحدوده.
وفي الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة اقتناء الكلاب داخل البيوت، حتى وصل الأمر عند بعض الناس إلى المبالغة في القرب منها ومرافقتها في تفاصيل الحياة اليومية، بل والنوم بجوارها، مع تجاهل ما ورد في الشريعة من أحكام تتعلق بالطهارة والحدود، وما لذلك من أثر على الوعي الأسري وتربية الأبناء، حيث يُفترض أن تكون البيوت قائمة على الطهارة والسكينة والحدود الواضحة التي تحفظ خصوصية الإنسان وكرامته.
وقد ورد في السنة النبوية قوله ﷺ:
«إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب» (رواه البخاري ومسلم)
وفي هذا الحديث بيان لأحكام وضوابط شرعية تؤكد أن العلاقة مع الحيوان لها حدودها، ولا يصح تحويلها إلى اندماج في تفاصيل الحياة الخاصة أو رفعها إلى منزلة لا تليق بطبيعتها.
كما أن بعض هذه التصورات تأثرت بما يُنقل من ثقافات أخرى عبر الإعلام ووسائل التواصل، حتى صارت تُقدَّم وكأنها مظهر من مظاهر التحضر، بينما هي في حقيقتها بعيدة عن ميزان القيم والهوية والوعي.
والأعجب من ذلك أن يُنتزع معنى الوفاء من الإنسان ويُنسب لغيره، بينما النصوص الشرعية جاءت لتؤسس ميزانًا واضحًا للقيم الإنسانية، وتربط الكرامة بالعقل والتقوى والأمانة، قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾
فالوفاء في ميزان الإسلام ليس شعورًا عابرًا، بل قيمة واعية تقوم على العهد والإلتزام وتحمل المسؤولية.
أما الوفاء الحقيقي فنراه يوميًا في حياة البشر ، في صور واضحة:
في أمٍ تضحي بوقتها وصحتها من أجل أبنائها،
وفي أبٍ يسعى ويكدّ ليؤمّن حياة كريمة لأسرته،
وفي ابنٍ بارٍّ بوالديه يحفظ حقهما ويصونهما،
وفي صديقٍ صادقٍ يَثبت في الشدة قبل الرخاء،
وفي أخٍ يقف مع أخيه عند المحن،
وفي من يؤدي الأمانة في عمله وواجباته بإخلاص.
هذه هي صور الوفاء الحقيقية؛ وفاءٌ نابع من عقل واعٍ وضمير حي وإرادة مسؤولة، لا من غريزة أو اعتياد.
وفي الختام، فإن الخطأ ليس في الرحمة بالحيوان أو الإحسان إليه، وإنما في قلب الموازين ونزع المعاني من مواضعها، حتى يُنتزع من الإنسان ما هو من أخص صفاته ليُنسب لغيره. فالوفاء قيمة سامية شرّف الله بها الإنسان حين حمّله الأمانة، وجعله مسؤولًا عنها، لتبقى مرتبطة بالعقل والضمير والإلتزام، وتبقى الأسرة هي الحاضن الأول لغرس هذه القيم وترسيخ الفهم الصحيح في الأجيال .
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية


.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)




.jpg)
.jpg)

.jpg)













.jpg)

.jpg)




