صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 7 ساعة و 6 دقيقة 0 11 0
خيبةُ التأويل .
خيبةُ التأويل . إستمع للمحتوى

 

 

 الكاتبة / مريم سليمان الجهني


 

 

كان قاسيًا جدًا…

 

حتى ظننتُ أنه يكرهني،

لا لأن القسوة غريبة،

بل لأنها جاءت ببرودٍ لا يشبه العابرين…

كأنها مقصودة،

كأنها تُقال بوعيٍ كامل

لتُطفئ فيّ شيئًا لم أكن أعرف اسمه.

 

مما جعلني أعيد النظر في كل هبةٍ منحته إياها،

كأنها غير مستحقة،

وفي كل لحظات اللطف التي بدأت مني…

كانت تربيتي،

كانت النسخة الأكثر صدقًا مني،

التي لا تعرف أنصاف الشعور،

ولا تجيد الحساب قبل العطاء.

 

وكأنه كان يبني لي فخًا أنيقًا،

لا يُرى كفخ،

بل كمساحة آمنة

تُغريك بالبقاء…

حتى إذا استقرّ بك المقام،

أغلقه بهدوء،

وكُتب على بابه من الداخل:

«هناك خيبة عظيمة…»

 

لم يكن مبالغًا في مشاعره،

ولكن أنا من صوّرت تلك الملامح،

وجعلتُ منها وسامة…

أعترف.

 

أنا من التقطتُ ملامح عابرة،

ونسجتُ منها حكاية كاملة،

أنا من منحتُ الصمت معنى،

والنظرة وعدًا،

والحضور القليل اهتمامًا يكفيني.

 

أنا من أمسكتُ بالريشة،

ورسمتُ مشاعره في أبهى صورها…

ثم وقفتُ أمامها مبهورة،

كأنني لستُ من رسمها.

 

ومنذ تلك اللحظة،

لم أعد أره كما هو،

بل كما أردته أن يكون.

كلما قال شيئًا،

أضفتُ إليه ما لم يقله،

وكلما صمت،

توليتُ أنا مهمة الحديث نيابةً عنه.

 

أنا من رفضتُ أن ترى الحقيقة عارية،

أن هذا البحر الذي كنتُ ألوّح له

لم يكن يحمل في داخله ماء،

بل فراغًا واسعًا

كنتُ أملؤه بتأويلاتي.

 

وأنه يفتقد أدوات الحفر،

لا لأنه عاجز فقط،

بل لأنه لم يرغب يومًا

أن يبحث عن ماءٍ يكفيني.

 

ومع ذلك…

حاولتُ أن أصنع نبعًا،

أن أستخرج حياةً من أرضٍ لا تعترف بالمطر،

بيدٍ لا تملك إلا الحلم،

وقلبٍ يجهل متى يتوقف.

 

أعدتُ النظر في لطفي،

في هباتي،

في التفاصيل الصغيرة

التي بدأت مني… لا منه،

في الرسائل التي كانت أطول مما يجب،

في الإنتظار الذي لم يُطلب مني،

في الأعذار التي خلقتها له

قبل أن يكلّف نفسه عناء التبرير.

 

وكنتُ أظنها امتدادًا لما تربّيت عليه،

لا مقدمةً لخذلانٍ مؤجل،

ولا درسًا قاسيًا

في أن النوايا الطيبة

لا تكفي لصناعة علاقةٍ متوازنة.

 

كنتُ في نظرك

كـلوحةٍ نادرة،

تُدهشك حتى الجنون لتقتنيها،

لكنّك لم تعِ يومًا

أين تضعها.

 

اقتنيتني…

لا لتفهمني،

بل لتُضيفني

إلى فوضى ما تملك.

 

ومن غرورك،

كنتَ أشبه بشخصٍ بلا هوية،

لا يبحث عن وطنٍ

بقدر ما يبحث عن عبور،

أيّ مكانٍ يكفيه مؤقتًا…

حتى لو عاش فيه

كلاجئٍ لا ينتمي

ولا يستقر.

 

تحتفظ بكل ما يلمع أمامك،

دون وعي،

دون إدراك

أن بعض الأشياء

لا تُحفظ…

بل تُصان.

 

هو لم يكن كما ظننته،

لكنني أيضًا لم أكن غبية…

كنتُ فقط أؤمن،

بعمقٍ لا يليق إلا بمن يعرف كيف يحمله،

وأمنح…

بطريقةٍ لم يعرف كيف يكون أهلًا لها.

 

نصبتُ له كراسي في الهواء الطلق،

وهيأتُ له مكانًا

لم يطلبه أصلًا،

وانتظرتُ أن يخترع سلّمًا للصعود،

أن يرتقي لمستوى الحلم الذي وضعته له،

ولم أنتبه…

أنه لا يمتلك أقدامًا،

ولا رغبةً في الوصول.

 

وفي النهاية،

لم أكن داخل علاقة…

بل داخل فخٍ أنيق،

زيّنته بيدي،

ووضعته حول نفسي دون أن أشعر،

وكلما حاولتُ الخروج،

أقنعتُ نفسي أن البقاء

أكثر أمانًا من الحقيقة.

 

وكُتب في نهايته:

«هنا تسكن الخيبة العظمى.»

 

لكن الحقيقة التي تأخرتُ في قبولها…

 

أن الخيبة لم تكن فيه وحده،

بل في ذلك الإصرار داخلي

أن أرى ما أريد…

لا ما هو كائن.

 

ولأول مرة،

لم أندم عليه…

بل ندمتُ

على كل هذا الجمال،

كل هذا الصدق،

كل هذا القلب

الذي وضعته بثقة

في المكان الخطأ…

وكأنني كنتُ أختبر قدرتي

على الإنكسار دون أن أسقط.

 

لكن الزمن علّمني…

 

أن القلب لا يخطئ حين يُحب،

بل يخطئ حين يُصرّ

على أن يجعل من التأويل حقيقة،

ومن الأمنية يقينًا،

ومن الصمت اعترافًا،

ومن القليل حياةً كاملة.

 

وتعلّمتُ أن الحب لا يُقاس

بما نشعر به نحن،

بل بما يفعله الطرف الآخر.

فالمشاعر التي لا تجد صداها،

تبقى حديثًا طويلًا

يقوله القلب لنفسه.

 

ولم أخرج من هذه الحكاية

أقلَّ حبًا،

ولا أكثر قسوة،

بل أكثر وعيًا.

 

سأبقى كما أنا…

أؤمن،

وأمنح،

وأرى الجمال،

لكنني لن أرسم أحدًا بألواني بعد اليوم،

ثم أعاتبه

لأنه لم يكن اللوحة

التي صنعتها له.

 

فالخيبة الحقيقية

ليست أن يخذلك أحد،

بل أن تكتشف

أنك كنت طوال الوقت

تدافع عن صورةٍ

لا عن إنسان،

وتقاتل من أجل حكاية

لم تبدأ إلا في خيالك.

 

وهناك فقط…

فهمت معنى خيبة التأويل .

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق