الكاتبة - هويدا الشوا .
ليست كل علاقة تمنحنا شعورًا بالحب تمنحنا شعورًا بالأمان. فالحب قد يكون عاطفةً جياشة، لكنه لا يكفي وحده لبناء علاقة صحية. أما الأمان، فهو أن تشعر أن بإمكانك أن تكون على حقيقتك، بضعفك وقوتك، بنجاحاتك وإخفاقاتك، دون أن تخشى أن تفقد مكانتك في قلب من تحب.
العلاقة الآمنة لا تُقاس بعدد الكلمات الجميلة، ولا بحجم التضحيات، بل بالطريقة التي يجعلك بها شريكك ترى نفسك. هل يجعلك أكثر ثقة؟ أكثر استقلالًا؟ أكثر قدرة على مواجهة الحياة؟ أم يجعلك أكثر اعتمادًا عليه، حتى تشعر أنك لا تستطيع اتخاذ قرار أو تجاوز أزمة من دونه؟
من أكثر المفاهيم التي يُساء فهمها في العلاقات هو الإعتقاد بأن الحب يعني إنقاذ الطرف الآخر من كل ألم، وحل جميع مشكلاته. لكن الإنقاذ المستمر، وإن بدأ في ظاهره رحمة، قد يتحول إلى سجنٍ غير مرئي. فعندما يحمل أحد الشريكين عبء التفكير واتخاذ القرار وحل الأزمات عن الآخر، فإنه - دون قصد - يرسل له رسالة خفية: "أنت لا تستطيع، وأنا سأفعل بدلًا منك."
أما الشريك الآمن، فيرسل رسالة مختلفة تمامًا: "أعلم أن الأمر صعب، لكنني أؤمن بقدرتك على تجاوزه، وسأبقى إلى جانبك حتى تجد طريقك."
هذا هو الفرق بين من يمنحك الحل، ومن يمنحك القوة.
الشريك الآمن لا يسابقك إلى إنقاذك، بل يمشي بجانبك. يصغي قبل أن ينصح، ويفهم قبل أن يحكم، ويسأل قبل أن يقرر. لا يسرق منك حقك في التجربة، ولا يحرمك من التعلم، لأن الحب الحقيقي لا يصنع شخصًا يعتمد عليك، بل يساعده على اكتشاف قدرته على الإعتماد على نفسه.
في علم النفس، يُنظر إلى العلاقة الآمنة على أنها مساحة للنمو، لا للاحتواء المفرط. فوجود شخص يمنحك الدعم العاطفي لا يعني أن يعيش حياتك بدلًا منك، بل أن يمنحك الطمأنينة التي تحتاجها لتعيشها بنفسك. إن الإنسان ينمو عندما يشعر أن بإمكانه المحاولة والخطأ والعودة، وهو يعلم أن هناك من يستقبله بالإحتواء لا باللوم.
وفي العلاقات الآمنة، لا يكون الدعم مشروطًا بالكمال. يمكنك أن تُخطئ دون أن تُهان، وأن تختلف دون أن تُرفض، وأن تعترف بضعفك دون أن يُستخدم ضدك لاحقًا. هناك احترام للحدود، وثقة لا تحتاج إلى مراقبة، وحوار لا يتحول إلى معركة لإثبات من هو على حق.
والأجمل في العلاقة الآمنة أنها لا تُطفئ فردية الإنسان، بل تحميها. فلا يذوب أحد الطرفين في الآخر، ولا تصبح الهوية مرهونة باستمرار العلاقة. بل يبقى لكل منهما عالمه، وأحلامه، وقراراته، بينما يختاران أن يسيرا معًا بإرادتهما، لا بخوفهما من الوحدة.
إن الحب الناضج لا يقول: "دعني أحمل عنك الحياة." بل يقول: "سأمسك بيدك عندما تتعب، لكنني لن أسير بدلًا منك."
فالحياة لا تحتاج إلى منقذ بقدر ما تحتاج إلى رفيق ، رفيق يذكّرك، في كل مرة تشك فيها بنفسك ؛ بأن القوة التي تبحث عنها لم تكن يومًا في يديه، بل كانت في داخلك، وكل ما فعله هو أنه آمن بها حتى استطعت أنت أن تراها.
وهذا، في جوهره، هو معنى العلاقة الآمنة: أن يمنحك الحب جذورًا تُشعرك بالطمأنينة، وأجنحةً تمنحك الحرية.
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)

.jpg)

.jpg)


.jpg)




















.jpg)




