صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية 

منذ 8 ساعة و 7 دقيقة 0 16 0
بين النسخ واللصق .
بين النسخ واللصق . إستمع للمحتوى

 

 

الكاتبة - مريم سليمان الجهني .


 

كلٌّ منا له نسخةٌ أخرى بينه وبين نفسه، ونسخةٌ يظهر بها إلى الناس، سواء في العمل أو في المجالس أو في اللقاءات. ولكن هل هذا شيء طبيعي؟

 

من وجهة نظري، بل وحتى من النظرة العلمية والنفسية، نعم… إلى حدٍ كبير. فالإنسان لا يتعامل مع الجميع بالطريقة نفسها، بل يُظهر من شخصيته ما يناسب المقام، دون أن يفقد حقيقته أو يتخلى عن مبادئه. وهذا لا يُعد نفاقًا، بل هو جزء من النضج الإجتماعي.

 

فالإنسان بطبيعته لا يكشف جميع ما في داخله لكل أحد، وهذا لا يُعد تناقضًا، بل فطرةٌ تحفظ الخصوصية، وتراعي اختلاف المقامات. فهناك كلمات لا تُقال إلا للنفس، ومشاعر لا يعرفها إلا صاحبها، وأخرى لا يناسب أن تُقال في كل مجلس. وما دام الأصل واحدًا، والقيم ثابتة، فلا حرج أن يختلف الأسلوب ويبقى الجوهر كما هو.

 

كثيرًا ما نجلس مع أنفسنا لنرتبها من جديد، ونعيد بناءها، فنراجع عاداتٍ لم نعد نحبها، أو صفاتٍ رأينا أثرها على من حولنا، أو سمعنا عنها ملاحظاتٍ صادقة كشفت لنا ما لم نكن نراه. وهنا تبدأ رحلة التغيير، وهي رحلة تستحق التقدير، لأن الإعتراف بالخلل هو أول خطوة نحو الإصلاح. ولعل أجمل ما يدعو إليه ديننا أن يبدأ الإنسان بنفسه قبل أن ينشغل بغيره، فيراجعها ويحاسبها ويجاهدها حتى تستقيم، فقد قال رسول الله ﷺ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعمل لما بعد الموت، والعاجزُ من أتبع نفسَه هواها وتمنى على الله الأماني.» فلا إصلاح يسبق إصلاح النفس، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.

 

نحن يا رفيقي أبناءُ بيئاتٍ مختلفة، وقد تتشكل فينا عاداتٌ لم نخترها، لكنها سكنت معنا حتى ظننا أنها جزءٌ من شخصياتنا. وبعضها يحتاج إلى أن يُقتلع، لا لأنه يسيء إلى صورتنا أمام الناس فحسب، بل لأنه لا يليق بأخلاقنا ولا بقيمنا. وفي المقابل، قد تولد فينا عاداتٌ جميلة تستحق أن نرعاها وننميها حتى تزهر في أرواحنا، فتفوح أثرًا طيبًا فيمن حولنا، ويصبح أثرها أجمل من أي حديث نقوله.

 

لذلك ليس عيبًا أن نعترف بأن لنا نسخةً أخرى، ما دامت هذه النسخة تسعى إلى الإصلاح، وتحاول أن تكون أفضل من الأمس. فالإنسان ليس حجرًا، بل كائنٌ ينضج مع الأيام، ويتعلم من تجاربه، ويعيد تشكيل نفسه كلما أدرك موضع الخلل فيها.

 

ولكن العيب الحقيقي أن يكون للإنسان عدة نسخ في شخصٍ واحد، تختلف باختلاف المصلحة، أو المكان، أو المجتمع الذي يجلس فيه. فيظهر بما ليس فيه، ويجامل هذا بما لا يؤمن به، ويكذب على ذاك، ويتجمل أمام آخر، حتى يصبح لكل مجلس وجه، ولكل مصلحة شخصية، فلا يعود الناس يعرفون حقيقته، وربما هو نفسه يفقد معرفة ذاته.

 

وأحيانًا لا نصنع نسخةً أفضل من أنفسنا، بل نصنع نسخةً تُرضي الآخرين. نتخلى عن عاداتٍ أصيلة تربينا عليها، ونستبدلها بعاداتٍ دخيلة، لا لأننا اقتنعنا بها، بل لأننا نخشى أن يُنظر إلينا بأننا متخلفون، أو مختلفون، أو لا نواكب من حولنا.

 

ولعل أخطر ما نعيشه اليوم هو ثقافة النسخ واللصق؛ لا في الكلمات، بل في الشخصيات. فننسخ أساليب الآخرين، ونلصقها على ذواتنا، حتى نفقد ملامح نسختنا الأصيلة، ونعيش عمرًا كاملًا نحاول أن نكون شخصًا آخر.

 

وهنا لا يكون التغيير إصلاحًا، بل تنازلًا عن الهوية. فليس كل ما يصفق له الناس يستحق أن نغيّر أنفسنا من أجله، وليس كل ما ورثناه عن بيئتنا أو تربيتنا يستحق أن نتخلى عنه. فالحكمة ليست في أن نتشابه مع الجميع، وإنما في أن نعرف ما الذي يستحق أن نغيّره في أنفسنا، وما الذي يجب أن نحافظ عليه لأنه جزءٌ من قيمنا وأصالتنا.

 

أما الشخص الذي وجد في نفسه عاداتٍ غير محببة، أو تصرفاتٍ لا يرضاها دينه ولا يقبلها مجتمعه، فقرر أن يخفيها عمدًا، لا ليخدع الناس، وإنما حتى يجاهد نفسه في التخلص منها، وحتى تصبح أفعاله موافقةً لما يتمناه في داخله، فهذا لا يُلام، بل يُحمد، لأنه لم يصنع قناعًا، بل صنع فرصةً للإصلاح، ولم يخفِ عيبًا ليستمر فيه، وإنما أخفاه وهو يحاربه حتى يزول.

 

فالفرق كبير بين من يخفي العيب ليحافظ عليه، ومن يخفيه لأنه يعالجه. الأول يعيش بالأقنعة، أما الثاني فيعيش رحلة إصلاح، وكلما تقدم فيها اقتربت صورته الظاهرة من حقيقته الباطنة.

 

وفي النهاية، لا أرى أن الإنسان يُقاس بعدد النسخ التي يحملها، بل بالمسافة بين ما يُظهره وما يُضمره. فكلما كانت هذه المسافة أقصر، كان أكثر صدقًا واتزانًا وسلامًا مع نفسه. فالنسخة الحقيقية للإنسان لا تُعرف بما يقوله عن نفسه، ولا بما يراه الناس فيه، وإنما بما يكون عليه عندما لا ينتظر تصفيقًا من أحد، ولا يخشى حكم أحد إلا الله .

صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

محرر المحتوى

ابراهيم حكمي
المدير العام
المدير الفني للموقع

شارك وارسل تعليق