الكاتبة - هويدا الشوا
لا يبدأ التحول الحقيقي عندما تتغير ظروفك، بل عندما يتغير وعيك. ففي اللحظة التي تدرك فيها أن حياتك ليست مجرد سلسلة من الأحداث العشوائية، بل انعكاس لطريقة تفكيرك، تبدأ رحلة جديدة. رحلة لا يكون هدفها الهروب من الألم، وإنما فهمه، ولا يكون عنوانها البحث عن الأمان في الآخرين، بل بناؤه في أعماقك.
الوعي ليس أن تعرف الكثير، بل أن ترى نفسك بصدق. أن
تعترف بجراحك دون أن تجعلها هويتك، وأن تواجه أخطاءك دون أن تسمح لها بأن تحدد مستقبلك. إنه اللحظة التي تدرك فيها أن السقوط لم يكن نهاية الطريق، بل بداية لاكتشاف قوتك الحقيقية.
في بداية الرحلة قد تشعر بأن كل شيء ينهار. تنهار قناعات قديمة، وعلاقات كنت تظن أنها ستبقى، وصور رسمتها عن نفسك وعن الحياة. وهذا الإنهيار، رغم قسوته، قد يكون أعظم هدية، لأنه يفسح المجال لبناء أساس أكثر صدقًا وثباتًا.
تحقيق الملاذ الآمن يبدأ عندما تتوقف عن انتظار من ينقذك. ليس لأن الآخرين لا يستطيعون تقديم الدعم، بل لأن السلام الداخلي لا يُمنح، وإنما يُبنى. تبنيه عندما تتصالح مع ماضيك، وتغفر لنفسك ما استطعت، وتتعلم من أخطائك بدلًا من أن تعيش أسيرًا لها. وتبنيه عندما تدرك أن قيمتك لا ترتفع بمديح الناس ولا تنخفض بانتقادهم.
كل خطوة نحو القمة تبدأ بعادة صغيرة. أن تستيقظ وفي داخلك نية للتقدم ولو قليلًا. أن تهتم بصحتك، وتغذي عقلك بالمعرفة، وتحيط نفسك بمن يدفعك للنمو، وأن تبتعد عن كل ما يستنزف طاقتك دون فائدة. القمم لا تُبنى بقفزات مفاجئة، بل بخطوات ثابتة ومتكررة.
وفي أثناء الرحلة ستتعثر مرة أخرى، وربما أكثر من مرة. لكن الفرق بين الشخص الواعي وغيره، أن الأول لا يرى التعثر هزيمة، بل يراه جزءًا طبيعيًا من التعلم. فهو لا يسأل: "لماذا حدث لي هذا؟" بل يسأل: "ماذا يمكن أن أتعلم من هذه التجربة؟" وهنا يتحول الألم من عبء إلى معلم، ومن نهاية إلى بداية.
ومع مرور الوقت، ستلاحظ أن أكبر انتصاراتك لم تكن تلك التي رآها الناس، بل تلك التي حدثت في داخلك. عندما أصبحت أكثر هدوءًا، وأكثر ثقة، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات تحترم نفسك. عندما لم تعد تركض خلف القبول، لأنك وجدت قبولك في داخلك. وعندما أدركت أن القوة ليست في غياب الخوف، بل في الإستمرار رغم وجوده.
القمة ليست مكانًا تصل إليه ثم تتوقف، بل هي حالة من النضج والإتزان. أن تعيش بوعي، وأن تتعامل مع الحياة بمرونة، وأن تعرف أن السعادة ليست في اكتمال كل شيء، بل في قدرتك على الإستمتاع بما لديك، والسعي لما تطمح إليه دون أن تفقد سلامك الداخلي.
رحلة السقوط إلى القمة ليست رحلة لتصبح شخصًا آخر، بل رحلة لتعود إلى ذاتك الحقيقية؛ الذات التي لم تكن تحتاج إلا إلى وعي، وصبر، وإيمان بأنها قادرة على النهوض مهما كانت البداية صعبة.
وفي النهاية، ستكتشف أن أعظم إنجاز حققته لم يكن الوصول إلى القمة، بل بناء ملاذ آمن في داخلك. مكان لا تهزه تقلبات الحياة، ولا يعتمد على وجود أحد، لأن أساسه وعيٌ راسخ، ونفسٌ متصالحة، وقلبٌ يؤمن أن كل سقوط يحمل في داخله فرصة جديدة للنهوض.
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)


.jpg)



.jpg)














.jpg)




