*نفحاتُ ذي الحِجّة*
حينَ تفتحُ السماءُ أبوابَها لمن أرادَ النجاة
*بقلم: مطر الهادي فرح*
ليست كلُّ الأيّامِ تُشبهُ بعضها…
فهناك أيّامٌ تمرُّ على الناسِ كعادتها، مزدحمةً بالضجيج، مُثقَلةً بالتعب، لا تتركُ في الرُّوحِ سوى مزيدٍ من الإرهاق، وهناك أيّامٌ أخرى تأتي كالغيثِ على قلبٍ أنهكته الحياة، تُعيدُ للإنسانِ شيئًا من صفائهِ القديم، وتوقظُ داخله ذلك الصوتَ الذي طالما أخمدتهُ الدُّنيا:
“عُد إلى الله…”
وفي كلِّ عام، حينَ تُقبِلُ عشرُ ذي الحِجّة، يشعرُ المؤمنُ أنّ الكونَ كلَّه يتغيّر بطريقةٍ لا تُرى بالعين، ولكن تُحَسُّ بالقلب.
المآذنُ تبدو أكثر خشوعًا، والتكبيراتُ تُلامسُ الأرواح قبل الآذان، والقلوبُ المؤمنةُ تُسافرُ إلى مكّة وإن بقيت الأجسادُ في أماكنها.
إنّها ليست مجرّدَ مناسبةٍ دينيةٍ عابرة، بل موسمٌ ربّانيٌّ استثنائيّ، تُفتَحُ فيه أبوابُ الرّحمة على اتّساعها، ويُنادَى فيه الإنسانُ من أعماقِ غفلته:
“هذه فرصتُكَ… فلا تُؤجِّل نجاتك.”
في هذه الأيّام، لا يشعرُ المسلمُ أنّه أمام عباداتٍ تقليديةٍ متكرّرة، بل أمام رحلةِ مراجعةٍ كاملةٍ لذاته.
رحلةٍ يسألُ فيها الإنسانُ نفسَه:
كم مرّةً أخّرنا التوبةَ بحجّةِ الانشغال؟
كم مرّةً ظننّا أنّ العمرَ طويل؟
وكم مرّةً انشغلنا ببناءِ حياتنا، ونسينا بناءَ أرواحنا؟
ولذلك، لم يكن غريبًا أن يُقسِمَ اللهُ بهذه الأيّامِ في كتابه الكريم، فقال سبحانه:
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾
وقد ذهب جمهورُ المفسّرين إلى أنّ المقصود بها عشرُ ذي الحِجّة.
وحين يُقسمُ اللهُ بشيء، فاعلم أنّه ليس زمنًا عاديًّا، بل زمنٌ يحملُ من الأسرارِ والبركاتِ ما يفوقُ إدراكَ البشر.
ولعلّ أعظمَ ما يميّزُ هذه الأيّام، أنّها ليست حكرًا على الحجيجِ وحدهم، بل هي موسمُ نجاةٍ مفتوحٌ للجميع؛ للقريبِ من اللهِ وللبعيد، للتائبِ ولمن يبحثُ عن بدايةٍ جديدة، للمُثقَلِ بالذنوب، وللمرهَقِ من صراعِ الحياة.
وقد بيّنَ النبيُّ ﷺ مكانةَ هذه الأيّامِ حين قال:
«ما مِن أيّامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيّام» ـ يعني أيّامَ العشر ـ.
قالوا: ولا الجهادُ في سبيلِ الله؟
قال: «ولا الجهادُ في سبيلِ الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء».
تأمّلوا هذا المعنى العظيم…
إنّها أيّامٌ يرتفعُ فيها قدرُ الأعمالِ الصغيرة، حتى يصبحُ الذِّكرُ ثقيلًا في الميزان، والدعوةُ الصادقةُ بابًا للطمأنينة، والصدقةُ سببًا في تفريجِ الكُرُبات، وركعتانِ في جوفِ الليل قد تُغيّرانِ مصيرَ إنسان.
ومن أعمقِ المشاهدِ الروحيةِ في هذه الأيّام، مشهدُ الحجّ…
ذلك المشهدُ الذي تتلاشى فيه الفوارقُ بين الناس؛ فلا غنيٌّ يتقدّمُ بماله، ولا قويٌّ يتعالى بقوّته، بل يقفُ الجميعُ بلباسٍ واحد، وقلوبٍ منكشفةٍ أمام الله، وكأنّ البشريةَ كلّها تُعلِنُ أنّ الإنسانَ في نهايةِ الأمر لا يحملُ معه إلا عملَه.
الحجُّ ليس مجرّدَ انتقالٍ إلى مكان، بل انتقالٌ من ضيقِ الدنيا إلى سعةِ المعنى.
ومن ازدحامِ الحياة إلى صفاءِ الرُّوح.
ومن التعلّقِ بالناس إلى التعلّقِ بالله.
ولذلك، يشتاقُ كثيرٌ من الناسِ إلى الحجّ قبل أن يروه، لأنّ الأرواحَ بطبيعتها تشتاقُ إلى مواطنِ النور.
وما إن يشاهدَ المسلمُ الطائفين حول الكعبة، ودموعَ الواقفين بعرفة، حتى يشعرَ أنّ في داخله حنينًا لا تُفسِّره اللغة.
وفي يومِ عرفة، تبلغُ الرَّحمةُ ذروتها…
ذلك اليومُ الذي قال فيه النبيُّ ﷺ:
«ما من يومٍ أكثرَ من أن يُعتقَ اللهُ فيه عبدًا من النارِ من يومِ عرفة».
فيه يقفُ الحجيجُ على صعيدٍ واحد، بينما تقفُ قلوبُ المؤمنين في كلِّ أنحاءِ الأرض على أبوابِ الدُّعاء، وكأنّ السماءَ كلّها تُصغي لعبادِ الله وهم يرفعون أيديهم برجاءٍ وانكسار.
إنّ أعظمَ ما في هذه الأيّام، أنّها تُعيدُ الإنسانَ إلى حقيقتِه الأولى؛
إلى قلبه الذي أرهقتهُ السرعة، وإلى روحهِ التي أضعفتها المادة، وإلى علاقتهِ بالله التي شوّهتها مشاغلُ الحياة.
فهذه الأيّامُ ليست دعوةً للانعزالِ عن العالم، بل دعوةٌ لإعادةِ التوازن.
أن يعيشَ الإنسانُ حياتَه بقلبٍ يعرفُ طريقَ السماء، مهما ازدحمت به الأرض.
اغتنموا هذه الأيّام…
أكثروا فيها من التكبير، فقد كان الصحابةُ يُظهرون التكبيرَ في الأسواقِ والبيوت.
أكثروا من الصيام، خاصّةً يومَ عرفة لغير الحاج، فقد ورد في فضله أنّه يُكفّرُ ذنوبَ سنتين.
أكثروا من القرآن، ومن الصدقات، ومن صلةِ الأرحام، ومن جبرِ الخواطر، فإنّ اللهَ لا ينظرُ إلى كثرةِ الأعمالِ فقط، بل إلى صدقِ القلوب.
ولا تجعلوا هذه الأيّامَ تمرُّ مرورَ العادة…
فكم من إنسانٍ كان بيننا في ذي الحِجّة الماضية، ثم غيّبه الترابُ هذا العام.
وكم من قلبٍ كان قادرًا على التوبة، ثم أجّل حتى أثقلته الغفلة.
إنّ الحياةَ أقصرُ ممّا نظن، لكنّ رحمةَ اللهِ أوسعُ ممّا نتخيّل.
وفي النهاية، تبقى الحقيقةُ الكبرى:
أنّ الإنسانَ لا يحتاجُ دائمًا إلى معجزةٍ تغيّرُ حياتَه، بل قد يحتاجُ فقط إلى لحظةِ صدقٍ مع الله…
ولعلَّ عشرَ ذي الحِجّة هي أجملُ تلك اللحظات.
فطوبى لمن أدركها بقلبٍ حيّ، واغتنمها بروحٍ صادقة، وخرج منها أقربَ إلى الله، وأكثرَ سلامًا مع نفسه، وأشدَّ نورًا في طريقه الطويل.
---
*مطر الهادي فرح*
صحيفة إضاءات الشرقية الإلكترونية


.jpg)

.jpg)

.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)




.jpg)
.jpg)












.jpg)

.jpg)





